تطبيع مؤجَّل ووعي مُستهدف: كيف تُزوّر ماكينة السعودية تقرير أكسيوس لتغطية عطش ابن سلمان للعلاقة مع إسرائيل؟

تطبيع مؤجَّل ووعي مُستهدف: كيف تُزوّر ماكينة السعودية تقرير أكسيوس لتغطية عطش ابن سلمان للعلاقة مع إسرائيل؟

تدفقت ردود فعل الإعلام السعودي بعد اجتماع محمد بن سلمان بالرئيس ترامب كالسيل، لكن ليس لأن الاجتماع حمل تحولًا تاريخيًا، بل لأن تقرير أكسيوس فجّر الحقيقة التي حاول النظام دفنها منذ سنوات: ولي العهد يريد التطبيع فورًا مع إسرائيل لكنه عاجز عنه لأن المجتمع السعودي يرفضه بشراسة. لم يكن هذا التسريب مجرد تفاصيل دبلوماسية، بل كان تهشيمًا مباشرًا لصورة القائد القوي الذي يحاول النظام بيعه للجمهور.

ماكينة الدعاية السعودية أعلنت حالة الاستنفار، وبدأت بإعادة تفصيل تقرير أكسيوس وفق مقاس الرواية الرسمية. هكذا كتب “تمرة” بجرأة مذهلة: “السعودية دافعت عن فلسطين بشدة.” والحقيقة أن التقرير لم يشر إلى أي دفاع، بل إلى ارتباك ابن سلمان وخوفه من رأي عام سعودي غاضب بسبب حرب غزة. كانت محاولة يائسة لتزييف الحقيقة وإحلال بطولة وهمية مكان اعتراف سياسي صريح بالعجز.

في هذه اللحظة تحديدًا ظهرت المعركة الحقيقية للنظام:  ليس مع إسرائيل بل مع وعي المواطن السعودي.

 تلاعب عضوان ودراما سعودي بوست: حين يتحول تقرير صحفي إلى مسرحية وطنية

التحريف لم يقف عند حدود “تمرة”. عضوان، الصحفي الذي اعتُبر صوتًا رسميًا في البيت الأبيض، قرر أن يبدّل الكلمات كما لو كان يعيد صياغة رواية خيالية، فكتب:  “ولي العهد أكد ضرورة موافقة إسرائيلية لا رجعة عنها بخصوص دولة فلسطينية.”

لكن تقرير أكسيوس قال بالحرف إن “اللا رجعة فيه” تعود إلى المسار — لا الدولة. مسار، طريق، عملية تفاوض كلمة يمكن تفريغها من أي معنى سياسي، تمامًا كما حدث لعقود في عملية السلام.

ومع ذلك، احتاج عضوان إلى تغيير الجملة لأن الحقيقة محرجة:
 ابن سلمان لا يشترط دولة فلسطينية كاملة، بل يطلب مسارًا مطاطيًا يتيح له تبرير التطبيع أمام شعبه.

أما “سعودي بوست”، فقد صنع من تقرير باراك رافيد ملحمة بطولية لا وجود لها، عبر جمل من نوع:
 “ثوابت”، “عدالة القضية”، “أسس عادلة”، وكلها كلمات لا وجود لها في النص الأصلي.

كان المطلوب واضحًا: إخفاء الحقيقة بأن النظام يحاول دفع التطبيع، لا منعه.

الحقيقة التي حاولوا قتلها: ابن سلمان يريد التطبيع منذ سنوات لكنه خائف من شعبه… لا من إسرائيل

تقرير أكسيوس كشف جملة مفصلية قالها ابن سلمان لترامب داخل الاجتماع:
 “المجتمع السعودي غير مستعد لمثل هذه الخطوة حاليًا.”

هذه ليست جملة تحليلية، بل اعتراف استراتيجي بأن العقبة الحقيقية أمام التطبيع ليست إسرائيل ولا الولايات المتحدة، بل الشعب السعودي.

أكثر ما حاولت البروباغندا إخفاءه هو أن ولي العهد قال بوضوح:  “أريد المضي قدمًا، لكن لا أستطيع الآن.”

لم يقل: “لن أطبّع”.  “أرفض التطبيع”. “قضية فلسطين خط أحمر”. بل قال: “لا يمكن الآن”.

وهنا يظهر البُعد الأخطر: النظام لا يؤجل التطبيع احترامًا لفلسطين بل يؤجله حتى يتمكن من تطويع المجتمع السعودي لقبوله لاحقًا.

هذا هو المعنى الحقيقي لعبارة “غير مستعد”.ليست ثباتًا سياسيًا بل خوفًا اجتماعيًا.

وفي خضم كل ذلك، ظهر ابن سلمان متباهياً خلال لقائه ترامب بأنه “انتزع” صفقة F-35 دون تطبيع، محاولًا تقديم نفسه باعتباره أذكى من الجميع. لكن الحقيقة التي يعرفها الإسرائيليون وكتب عنها محللون في تل أبيب هي أن السعودية لن تحصل على الطائرة إلا بعد التطبيع وبنسخة منقوصة، بينما الإمارات — التي طبّعت — ما زالت تفاوض على شروطها وتُعامل كطرف ندّي في العملية.

هكذا يصبح التباهي السعودي مجرد ستار يخفي الحقيقة المؤلمة:
 ابن سلمان يتمنى أن يحذو حذو الإمارات في ترتيب ‘التطبيع أولاً، السلاح ثانيًا’، لكنه غير قادر على اتخاذ الخطوة الأولى.

 “التطبيع قادم عندما يكتمل تفكيك الوعي الشعبي”

ما حدث بعد تقرير أكسيوس لم يكن سوء ترجمة ولا خطأً بريئًا، بل كان عملاً سياسيًا متعمدًا لاغتيال الحقيقة. كل الأدلة تشير إلى أن:

ابن سلمان يريد التطبيع.
 ابن سلمان لم يقل لا.
 ابن سلمان لا ينتظر إسرائيل بل ينتظر تهيئة المجتمع السعودي.

ولهذا تحركت ماكينة البروباغندا بسرعة: لتضليل، لتمويه، لإعادة كتابة النصوص الأجنبية كما يريدها القصر. ولإخفاء الجملة الأخطر في الاجتماع: “المجتمع السعودي غير مستعد حاليًا.”

هذه ليست جملة عابرة. إنها خطة حكم.خطة تبدأ بتشويه الوعي، وتمر عبر جرعات مستمرة من الترويض الإعلامي، وتنتهي — إن نجح النظام — بمشهد تطبيع كامل تُسوَّق فيه العلاقات مع إسرائيل باعتبارها “مصلحة وطنية”.

التطبيع بالنسبة للنظام السعودي ليس خيارًا سياسيًا بل مشروع مؤجل ينتظر اللحظة التي يُعاد فيها تشكيل المجتمع حتى يصبح قابلًا له.

والسؤال الحقيقي لم يعد: هل يريد ابن سلمان التطبيع؟
 فالإجابة واضحة.

السؤال هو:
 كم ستستغرق عملية تكييف المجتمع حتى يصبح “مستعدًا” كما يريد ولي العهد؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية