من يطلع على المشهد السعودي بكامله يعلم يقينا أن ظهور النفط في السعودية خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات وتصديره إلى خارج أراضي المملكة السعودية قد أدى إلى زيادات ضخمة في العائدات والثروات، الأمر الذي انعكس على الحياة الاجتماعية والاقتصادية، حيث عملت الحكومة السعودية على تقديم هذه الثروات إلى مواطنيها من خلال مسارات ثلاث تتمثل في التالي:
1- تحسين الخدمات والمنافع العامة، وتوفير الإمكانيات الصحية وتيسير التمويل للمحتاجين.
2- السعي على توفير فرص العمل في القطاع العام، والتوسع في ذلك لاستيعاب الأعداد المتزايدة جيلا بعد جيل.
3- مساعدة رجال الأعمال على الوصول للأرباح المناسبة من خلال منحهم العقود الحكومية والتراخيص الحصرية.
التعرف على مسارات النظام الاقتصادي الذي اتبعته المملكة السعودية مع مواطنيها من العثور على النفط في أراضيها يسهم جدا في معرفة إمكانيات نجاح الإصلاحات السياسية وكيفية التعامل مع المجتمع من خلال عقد اجتماعي سليم لا يضر بالمجتمع ولا الدولة، لكن ما آل إليه الوضع الآن يدل على جهل بالنظام الصحيح الذي يجب أن يتحقق لبناء مجتمع سعودي قوي، على عكس ما يسعى إلى تفعيله بالقوة الغاشمة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
لقد اعتاد مواطنو المملكة السعودية على نظام استطاعوا من خلاله الحصول على بعض حقوقهم الاقتصادية من عوائد النفط التي لا نهاية لها، واليوم يحاول بن سلمان فطم المواطنين وحرمانهم من حقوقهم هذه، بل ومضاعفة الإجراءات القاسية عليهم وكأنه يعاقبهم عن الفترة التي مضت وحصلوا فيها على بعض حقوقهم المالية في صورة خدمات ومساهمات، فراح يفرض الضرائب ويدعي الفقر ويرفع الأسعار في الوقت الذي يبدد في ثروات البلاد على ما يحب هو من الأفكار الخيالية التي تنفع المواطن ولا الوطن، وكل ذلك قد أثر على قدرة المواطنين من الوصول إلى حصتهم من الثروة من خلال علاوات الرواتب في القطاع العام، ما يعني الحدّ من قدرة وصول الأعمال التي يملكها المواطنون إلى العقود الحصرية، وإن كسبوا الأرباح التي يفرضها السوق لن تعود لهم القدرة للوصول إلى حصّتهم من الثروة من خلال عقود الأعمال الحصرية التي كانت تنفعهم في العمل وتحقيق الأرباح
لقد نجحت المملكة السعودية مثل كافة الدول الخليجية في تحقيق الرفاهية الاجتماعية للمواطنين منذ اكتشاف النفط والاعتماد عليه، على النفط، لكنها فشلت فشلا ذريعا في تحقيق نظام اقتصادي يتمرد على تبعيته للنفط لضمان استقرار اقتصادي حقيقي يقوم على الإنتاج والتصدير، على رغم الإمكانات التي تتمتع بها وتمكنها من إنتاج نظام اقتصادي قوي.
الاقتصاديون يعدون تدفق الاستثمار الأجنبي أحد أبرز الوسائل التي تمكن الدول من تحقيق التنويع الاقتصادي فيها، لكن المملكة لا تزال فاشلة في جلبي تلك الاستثمارات لأسباب كثيرة، أهمها السجل الحقوقي السياسي للمملكة، والذي امتلأ بانتهاكات لا مثيل لها، كلها دفعت إلى هروب رأس المال الأجنبي من أسواق المملكة، ويعود الفضل في ذلك أولا وأخيرا لعديم الخبرة المتهور محمد بن سلمان.






