بعد أكثر من أحد عشر عامًا على التدخل العسكري السعودي في اليمن، لا تبدو المشكلة الأساسية في عدد الصواريخ التي يستطيع الحوثيون إطلاقها، ولا في عدد الغارات التي تستطيع السعودية الرد بها. المشكلة الأعمق هي أن المملكة عادت تقريبًا إلى السؤال الذي بدأت منه الحرب: كيف تمنع قوة حوثية مسلحة على حدودها الجنوبية من تهديد أراضيها وأمنها ومصالحها الاستراتيجية؟ وهذه وحدها نتيجة تستحق مراجعة قاسية. دخلت السعودية الحرب عام 2015 وهي تمتلك تفوقًا ماليًا وجويًا وتسليحيًا هائلًا، وكان محمد بن سلمان، وزير الدفاع آنذاك، أحد أبرز وجوه القرار العسكري السعودي الجديد. وبعد سنوات من القصف والإنفاق والتدخل والتحالفات، لم تختفِ الجماعة التي استهدفتها الحرب، ولم تعد مجرد قوة محلية محاصرة داخل جبال اليمن. اليوم أصبح التحدي أكثر تعقيدًا: صواريخ ومسيّرات، حدود تحتاج إلى استنفار دائم، منشآت طاقة معرضة للخطر، وممر بحري في باب المندب تزداد أهميته للسعودية كلما اضطرب مضيق هرمز. لذلك لا يكفي وصف ما يجري بأنه «عودة الحرب». ما يعود فعليًا هو كشف الحساب لحرب لم تنتج النهاية السياسية والأمنية التي كان يفترض أن تبرر تكلفتها.
المشكلة لم تكن نقص السلاح بل الاعتقاد بأن التفوق العسكري يحل اليمن
عند تقييم حرب اليمن، من السهل الوقوع في فخ حساب الطائرات والصواريخ والجنود. لكن السعودية لم تكن يومًا الطرف الأضعف عسكريًا. المملكة تمتلك واحدًا من أكبر الإنفاقات الدفاعية عالميًا، وطائرات مقاتلة متطورة، وذخائر أمريكية وغربية، وأنظمة دفاع جوي، وموارد مالية تفوق الحوثيين بمراحل. ومع ذلك لم يتحول هذا التفوق إلى حسم سياسي. وهنا يظهر الخلل الاستراتيجي. اليمن ليس هدفًا عسكريًا يمكن تدميره ثم إعلان انتهاء المهمة. إنه مجتمع شديد التعقيد، وتضاريس صعبة، وانقسامات قبلية وسياسية ومناطقية، ومؤسسات ضعيفة، وتدخلات إقليمية، وتاريخ طويل من قدرة القوى المحلية على استنزاف خصوم أكبر منها. القوة الجوية تستطيع تدمير مخزن سلاح، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة يمنية مستقرة. يمكنها قتل قائد، لكنها لا تستطيع إزالة الظروف السياسية التي تنتج قائدًا آخر. ويمكنها إضعاف الحوثيين مؤقتًا، لكنها لا تستطيع بالقصف وحده تحديد من يحكم صنعاء في اليوم التالي. الخطأ الذي يستحق النقد ليس أن السعودية لم تستخدم قوة كافية، وإنما أنها دخلت حربًا كانت المشكلة فيها سياسية بقدر ما هي عسكرية، ثم راهنت طويلًا على أن التفوق العسكري سيصنع الحل السياسي.
حرب اليمن مرتبطة بصورة خاصة بالبدايات السياسية لمحمد بن سلمان. كان وزير الدفاع الشاب عندما بدأ التدخل، وتحولت الحرب إلى أحد أول الملفات الكبرى التي ارتبطت بصعوده السريع. لاحقًا تغيرت الصورة التي أراد تقديمها. لم يعد يريد أن يُعرف عالميًا باعتباره مهندس حرب اليمن، وإنما باعتباره مهندس رؤية 2030: نيوم، السياحة، الذكاء الاصطناعي، الرياضة، الترفيه، الاستثمار، المدن الجديدة. كان الانتقال واضحًا: من الحرب إلى الاقتصاد، ومن الجبهة إلى المشروع، ومن صورة وزير الدفاع إلى صورة رجل التحديث. لكن المشكلة أن تغيير الرواية الإعلامية أسهل من تغيير الجغرافيا. اليمن بقي على الحدود، والحوثيون بقوا، والسلاح بقي، والنزاع لم يحصل على تسوية نهائية. ولهذا تعود الحرب اليوم لتضرب واحدًا من أهم افتراضات رؤية 2030 نفسها: الاستقرار. فالمشروع الاقتصادي الذي يريد جذب مئات المليارات من الاستثمارات الخارجية يحتاج إلى منطقة مستقرة أكثر مما يحتاج إلى صور المشاريع العملاقة.
الفاتورة ليست ما أنفقته السعودية في الماضي بل ما ستضطر إلى إنفاقه من الآن
لا يوجد كشف حساب سعودي شامل منشور يسمح بالقول بدقة إن حرب اليمن كلفت المملكة رقمًا محددًا منذ 2015. ولهذا فإن رمي أرقام بمئات المليارات باعتبارها حقيقة محسومة لا يصنع نقدًا قويًا. السؤال الأكثر أهمية هو معرفة مكونات التكلفة. هناك تكلفة العمليات العسكرية والطائرات وقطع الغيار والذخائر والصواريخ الاعتراضية. هناك تأمين الحدود. وهناك دعم وتسليح وتدريب القوات اليمنية المتحالفة مع الرياض. وهناك حماية المطارات والمنشآت النفطية وخطوط الأنابيب والموانئ. ثم تأتي التكلفة غير المباشرة، وربما تكون أخطر. كلما أصبحت الملاحة السعودية أكثر خطورة ارتفعت تكاليف التأمين والشحن. وكلما ازداد خطر الهجمات على منشآت الطاقة، ارتفعت تكلفة حمايتها. وكلما طال النزاع، أصبحت السعودية مضطرة إلى الاحتفاظ بموارد عسكرية ومالية ضخمة في حالة استعداد. وهذه الفاتورة تأتي في 2026، لا في 2015. أي في وقت تسجل فيه الميزانية عجزًا، ويتجه الدين الحكومي إلى الارتفاع، ويعيد صندوق الاستثمارات ترتيب أولوياته، وتخضع مشاريع ضخمة للمراجعة، وتبحث شركات الرؤية عن مستثمرين وتمويل خارجي. وبذلك لا تنافس الحرب الحوثيين فقط. إنها تنافس رؤية 2030 على الريال نفسه.
السعودية دفعت ثمن الحرب، واليمن دفع ثمنًا أفدح. لا يمكن اختزال تقييم حرب اليمن في خسائر المملكة. اليمنيون دفعوا الثمن الإنساني الأكبر. سنوات الحرب ارتبطت بمقتل وإصابة مدنيين، ونزوح، وانهيار اقتصادي، وتدهور الخدمات والبنية التحتية، وأزمة إنسانية واسعة. تعرض التحالف الذي قادته السعودية لانتقادات وتحقيقات حقوقية بسبب غارات أصابت أهدافًا مدنية، بينما ارتكب الحوثيون وغيرهم من أطراف النزاع بدورهم انتهاكات وهجمات على المدنيين. وهذه النقطة مهمة لأن تحويل الحرب إلى مباراة بين «السعودية وإيران» يمحو اليمنيين من قصتهم الخاصة. المدني الذي فقد منزله لا يستفيد من معرفة أن الغارة حققت هدفًا استراتيجيًا. والطفل الذي عاش سنوات داخل اقتصاد منهار لا تعنيه خرائط النفوذ الإقليمية. لذلك فإن أي كشف حساب للحرب يجب أن يحتوي عمودًا لا يمكن قياسه بالدولار: كم حياة دُمرت بينما ظلت النتيجة السياسية بعيدة؟
باب المندب يحول فشل التسوية اليمنية إلى مشكلة نفط سعودية
وهنا تصل المفارقة إلى ذروتها. كانت السعودية تملك ميزة استراتيجية شديدة الأهمية: إذا تعرض تصدير النفط من الخليج عبر هرمز للخطر، يمكن نقل جزء مهم من الخام عبر المملكة إلى ساحل البحر الأحمر. أي أن الغرب كان صمام أمان للشرق. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الغرب نفسه مهددًا؟ هنا يتحول الحوثيون من مشكلة حدودية إلى مشكلة في قلب الأمن الاقتصادي السعودي. السعودية تستطيع تغيير طريق الناقلة، وتستطيع استخدام خطوط الأنابيب، وتستطيع دفع تكلفة شحن أعلى. لكنها لا تستطيع نقل المملكة إلى قارة أخرى. الجغرافيا لا تقرأ رؤية 2030. وإذا أصبح هرمز خطرًا في الشرق وباب المندب خطرًا في الغرب، فإن المملكة تكتشف أن امتلاك ملايين البراميل تحت الأرض ليس هو نفسه امتلاك طريق آمن لإيصالها إلى المشترين. وهذا تحديدًا ما يجعل نتيجة حرب اليمن أكثر إيلامًا استراتيجيًا. الحرب التي كان أحد أهدافها حماية السعودية من تهديد حوثي على حدودها انتهت إلى مرحلة أصبح فيها الحوثيون قادرين على الضغط على أحد أهم بدائل المملكة لتصدير النفط.
المزيد من الغارات قد يعالج الهجوم، لكنه لا يجيب عن السؤال القديم. السعودية ملزمة بحماية مواطنيها عندما تتعرض أراضيها للهجوم. هذه ليست النقطة محل النقاش. إذا استُهدفت مدينة سعودية بصاروخ أو مسيّرة، فمن الطبيعي أن تتحرك الدولة لوقف التهديد. لكن الدفاع عن النفس الآن لا يمكن استخدامه لإلغاء تقييم الاستراتيجية السابقة. يمكن للرياض تنفيذ مئة غارة أخرى. ثم ماذا؟ إذا بقي الحوثيون قادرين على إعادة التسليح وإطلاق الصواريخ بعد ستة أشهر، فهل تنفذ مئة غارة إضافية؟ ثم مئة أخرى؟ هذه هي مشكلة حرب الاستنزاف. كل طرف يستطيع إيلام الآخر، ولا يستطيع أي منهما بسهولة إنتاج النهاية التي يريدها. والسعودية لديها ما تخسره أكثر بكثير. لديها منشآت نفطية ومطارات ومدن ومشاريع واستثمارات وسياحة وصورة دولة تريد تقديم نفسها كمركز اقتصادي عالمي. الحوثيون لا يحتاجون إلى هزيمة الجيش السعودي. يكفي أن يجعلوا تكلفة عدم الاستقرار مرتفعة باستمرار.
بعد أحد عشر عامًا يجب أن يتغير السؤال من كيف نهزم الحوثيين إلى لماذا لم تشترِ كل هذه القوة الأمن
لا يثبت الوضع الحالي أن السعودية «خسرت الحرب» بمعنى عسكري بسيط، كما لا يعني أن الحوثيين أصبحوا أقوى من المملكة. هذه استنتاجات أكبر من الوقائع. لكنه يكشف شيئًا أكثر أهمية: السعودية لم تحصل حتى الآن على العائد الأمني الذي كان يفترض أن يبرر حربًا بهذا الطول والتكلفة. في 2015 كان الخوف السعودي أن تتحول جماعة حوثية مرتبطة بإيران إلى قوة عسكرية راسخة على حدود المملكة. وبعد أكثر من عقد، لا تزال الجماعة موجودة، وأكثر خبرة قتالية، وتملك أدوات بعيدة المدى، بينما أصبح أمن البحر الأحمر وباب المندب جزءًا مباشرًا من المواجهة. وهذا هو المكان الذي تقع فيه المسؤولية السياسية لمحمد بن سلمان. ليس لأنه صنع وحده كل أسباب الحرب اليمنية، ولا لأن إيران والحوثيين وبقية القوى اليمنية بلا مسؤولية؛ فالصراع أقدم وأكثر تعقيدًا من شخص واحد. لكن لأنه كان في قلب القيادة التي اختارت التدخل العسكري، ثم أصبح لاحقًا صاحب المشروع السياسي والاقتصادي الذي سيتحمل تبعات النتيجة. القائد لا يُحاسب فقط على سبب دخول الحرب، وإنما على ما خرجت به بلاده منها. واليوم يبدو كشف الحساب قاسيًا: سنوات من الإنفاق العسكري، ثمن إنساني هائل في اليمن، حدود ما زالت تحتاج إلى الحماية، حوثيون ما زالوا مسلحين، طرق نفط أصبحت أكثر حساسية، ورؤية اقتصادية تحتاج إلى الاستقرار والمال في اللحظة نفسها التي تعود فيها الحرب لتطلب كليهما. لقد أراد محمد بن سلمان أن تصبح حرب اليمن فصلًا من الماضي، وأن يكون إرثه الحقيقي هو رؤية 2030. لكن اليمن يعيد نفسه اليوم إلى قلب ذلك الإرث. فالمشكلة لم تعد كم مليارًا أنفقت السعودية في الحرب الماضية، بل كم مليارًا آخر ستضطر إلى إنفاقه لأن الحرب الماضية لم تنتج تسوية تمنع الحرب التالية. وهذا هو السؤال الذي لا تستطيع صفقة سلاح جديدة ولا غارة جوية جديدة الإجابة عنه: بعد أحد عشر عامًا، إذا كانت السعودية لا تزال تدافع عن حدودها ومدنها ومنشآتها وممراتها النفطية أمام الخصم نفسه، فما الذي اشترته فعليًا بكل السنوات والمليارات التي دفعتها في اليمن؟






