في تطور لافت لا يمكن قراءته كحادثة إعلامية عابرة، اختارت متحدثة باسم جيش الاحتلال منصة تُنسب إلى الفضاء الإعلامي السعودي لتخاطب من خلالها الجمهور العربي مباشرة. المقال الذي نُشر لم يكن مجرد رأي أو تحليل، بل خطاب سياسي–عسكري متكامل، صيغ بعناية ليعيد تشكيل الوعي، ويعيد تعريف الصراع، ويقدّم سردية بديلة تُبرّئ طرفًا وتُدين آخر.
الأخطر هنا ليس مضمون الرسالة فقط، بل المنصة التي احتضنتها. فحين يُفتح المجال الإعلامي العربي، وبشكل خاص المرتبط بالسعودية، أمام خطاب صادر عن جهة عسكرية في دولة محتلة، فإننا لا نتحدث عن “تعدد آراء”، بل عن تحوّل في وظيفة الإعلام ذاته: من ناقل للخبر إلى أداة لإعادة إنتاج الرواية السياسية.
هذه الواقعة تطرح سؤالًا جوهريًا:
هل ما جرى مجرد اختراق إعلامي… أم تعبير عن تحوّل أعمق في طبيعة الخطاب الذي يُراد تمريره للجمهور العربي؟
إعادة صياغة العدو: من احتلال إلى “حماية إقليمية”
المقال لم يأتِ بلغة عسكرية تقليدية، بل بلغة ناعمة مغلفة بمفاهيم مثل “الاستقرار” و“بناء الجسور”.
في هذه الصياغة، جرى تقديم الصراع وكأنه مواجهة بين نموذجين:
– نموذج “يسعى إلى الاستقرار”
– ونموذج “ينشر الفوضى”
هذه الثنائية ليست بريئة، بل هي محاولة لإعادة تعريف العدو في ذهن القارئ العربي.
بدلًا من التركيز على الاحتلال أو الصراع التاريخي، يتم تحويل النقاش إلى مقارنة سياسية بين أطراف إقليمية، حيث يظهر الاحتلال كطرف “أقل سوءًا” أو حتى “حامٍ للاستقرار”.
الأخطر أن هذا الخطاب يحاول نقل مركز الصراع من فلسطين إلى إيران، عبر تصوير الأخيرة كتهديد شامل، مقابل تجاهل أو تهميش السياق الأساسي للصراع في المنطقة.
بهذا الشكل، لا يتم فقط تبرير السياسات، بل إعادة ترتيب أولويات الوعي العربي نفسه.
تبييض القوة: كيف تُغلف الحرب بلغة السلام
من أبرز ملامح الخطاب المستخدم محاولة تقديم العمليات العسكرية كـ“ضرورة أمنية”، وليست عدوانًا.
تُستخدم عبارات مثل “نحن لا نحارب من أجل الحرب”، لتخفيف حدة الفعل العسكري، وإعادة تقديمه كإجراء دفاعي مشروع.
هذه اللغة ليست جديدة، لكنها تأخذ بعدًا مختلفًا عندما تُنشر عبر منصة عربية.
فبدل أن تُواجه هذه السردية بالنقد أو التفكيك، يتم نقلها كما هي، لتصل إلى الجمهور العربي دون وسيط نقدي.
كما يتم استخدام مفاهيم مثل “السلام” و“الازدهار” بشكل مكثف، في محاولة لربط القوة العسكرية بنتائج إيجابية، وكأن الحرب هي الطريق إلى الاستقرار.
هذا التناقض — بين الفعل العسكري والخطاب السلمي — هو جوهر الدعاية الحديثة:
إخفاء العنف خلف لغة ناعمة تجعل قبوله أسهل.
التطبيع كقدر: خطاب يمهّد لا يبرر فقط
المقال لم يكتفِ بتبرير السياسات، بل ذهب أبعد من ذلك، ليقدّم التطبيع كخيار طبيعي بل وضروري.
من خلال الإشارة إلى “نماذج مشرقة” لدول اختارت الحوار، يتم خلق انطباع بأن الطريق واضح، وأن من يرفضه يقف ضد “الازدهار” و“المستقبل”.
هذا النوع من الخطاب لا يطرح التطبيع كموضوع للنقاش، بل كمسار محسوم، يجب على الآخرين اللحاق به.
كما يتم ربطه بشكل مباشر بالأمن الاقتصادي والاستقرار، ما يجعله يبدو كخيار عقلاني، وليس سياسيًا أو أخلاقيًا.
المشكلة هنا أن هذا الطرح يتجاهل التعقيدات التاريخية والسياسية، ويختزل القضية في معادلة بسيطة:
السلام مقابل الازدهار.
وهي معادلة تُستخدم لتجاوز الأسئلة الأصعب، وليس للإجابة عليها.
رسائل مبطنة: بين الترغيب والتهديد
إلى جانب اللغة الناعمة، يحمل الخطاب رسائل أكثر صراحة، يمكن وصفها بأنها تهديد ضمني.
عبارات مثل “الردع لمن استكبر” أو الإشارة إلى القدرة على الوصول إلى عمق الخصوم، ليست مجرد توصيف عسكري، بل رسالة موجهة لكل من يفكر في اتخاذ موقف مختلف.
هذا المزج بين الترغيب (“السلام والازدهار”) والترهيب (“الردع والقدرة العسكرية”) هو أحد أهم أدوات الخطاب السياسي المعاصر.
يتم تقديم خيارين فقط:
– الانخراط في المسار المطروح
– أو مواجهة العواقب
وهنا يتحول الخطاب من دعوة إلى إملاء، ومن حوار إلى ضغط.
حين يفقد الإعلام وظيفته وتبدأ إعادة تشكيل الوعي
ما جرى ليس مجرد نشر مقال، بل مؤشر على تحول أعمق في طبيعة الخطاب الذي يُمرر عبر بعض المنصات العربية.
حين تُفتح هذه المنصات لخطاب عسكري أجنبي، دون نقد أو تفكيك، فإنها تتحول من وسيلة إعلام إلى قناة نقل لرواية سياسية محددة.
الأخطر أن هذا التحول لا يستهدف فقط نقل المعلومات، بل إعادة تشكيل الوعي، وتغيير طريقة فهم الجمهور للصراع، وللأطراف، وللأولويات.
في النهاية، لا تكمن الخطورة في المقال نفسه، بل في السياق الذي نُشر فيه، والرسائل التي يُراد ترسيخها من خلاله.
فالإعلام الذي يفقد استقلاله، لا ينقل الحقيقة بل يعيد كتابتها






