لم يعد التغيير في السعودية مقتصرًا على الحفلات والمهرجانات والسينما والرياضة أو إعادة تشكيل الخطاب الديني في المجال العام. فبحسب تقرير حديث صادر عن معهد IMPACT-se، امتدت التحولات خلال العامين الأخيرين إلى مساحة أكثر حساسية وأبعد أثرًا: المناهج التي يتلقى من خلالها الطفل السعودي تصوره الأول عن فلسطين وإسرائيل والقدس والصراع العربي الإسرائيلي.
التقرير يرصد سلسلة من التعديلات اللافتة في الكتب المدرسية السعودية، من بينها إزالة تسمية «فلسطين» من خرائط إضافية، واستبدال تعبير «العدو الصهيوني» بعبارة «الاحتلال الإسرائيلي»، فضلًا عن حذف عبارة «المسلمون لن يتخلوا عن القدس».
وبحسب المادة المتداولة، تظهر نماذج لهذه الخرائط في كتاب الدراسات الاجتماعية للصف الخامس الابتدائي، في الصفحتين 146 و168.
وإذا صحت المقارنة بين الإصدارات المختلفة للكتب، فإن المسألة تستحق نقاشًا يتجاوز تغيير مفردة هنا أو جملة هناك. فالمناهج لا تصنع معرفة الطالب بالوقائع فحسب؛ إنها تشارك في تحديد أي وقائع ستبقى أصلًا في ذاكرته، وبأي لغة سيتعلم الحديث عنها.
لماذا تختفي كلمة «فلسطين»؟
هذه أبسط الأسئلة وأكثرها إلحاحًا.
فالحديث لا يتعلق بتعديل معلومة علمية أصبحت قديمة، ولا بتحديث إحصائية أو إعادة تصميم صفحة.
إنه اسم فلسطين.
إذا كانت نسخ سابقة من الخرائط تحمل التسمية، ثم اختفت من نسخ أحدث، فمن المشروع السؤال عن الأساس الذي استند إليه هذا التغيير.
الخريطة المدرسية ليست صورة محايدة تمامًا بالنسبة إلى طفل في الصف الخامس. إنها تعلمه أسماء الأماكن وحدودها وموقعها في العالم.
وعندما يتغير الاسم المكتوب فوق مساحة جغرافية أو يُحذف، فإن ذلك يستحق تفسيرًا واضحًا من الجهة التي وضعت المنهج.
خصوصًا أن الأمر، وفق التقرير، لا يتعلق بخريطة واحدة منفردة يمكن تفسيرها بخطأ تصميمي، وإنما بنماذج متعددة يرصد فيها الاتجاه نفسه.
حذف فلسطين ليس هو حذف خطاب الكراهية
هناك فارق ينبغي التشديد عليه.
من حق أي دولة أن تراجع مناهجها للتخلص من العبارات التي تراها تحريضية أو غير مناسبة تربويًا. بل إن تحديث الكتب وإبعاد الأطفال عن التعميم والكراهية أمر يمكن الدفاع عنه تربويًا.
لكن حذف خطاب عدائي شيء، وحذف اسم فلسطين من الخريطة شيء مختلف تمامًا.
يمكن للمنهج أن يعلم الطفل رفض الكراهية، وفي الوقت نفسه يعلمه أن هناك شعبًا فلسطينيًا وقضية فلسطينية واحتلالًا وصراعًا تاريخيًا مستمرًا.
ولا يوجد تناقض بين الأمرين.
ولهذا فإن استخدام تحديث المناهج بوصفه تفسيرًا عامًا لا يكفي للإجابة عن السؤال المتعلق بالخرائط.
«العدو الصهيوني» يصبح «الاحتلال الإسرائيلي»
يرصد التقرير أيضًا تحولًا لغويًا واضحًا من تعبير «العدو الصهيوني» إلى «الاحتلال الإسرائيلي».
ومن الإنصاف القول إن العبارة الجديدة لا تقدم إسرائيل بصورة إيجابية؛ فوصفها بـ«الاحتلال» يظل يحمل موقفًا سياسيًا واضحًا.
لكن الاختلاف في طبيعة اللغة لا يمكن تجاهله.
مصطلح «العدو الصهيوني» ينتمي إلى لغة سياسية تعبوية صريحة، بينما «الاحتلال الإسرائيلي» تعبير أكثر تحديدًا وأقرب إلى اللغة السياسية والقانونية المتداولة دوليًا.
ويمكن الدفاع عن هذا التحول باعتباره محاولة لجعل المناهج أقل أيديولوجية وأكثر دقة.
لكن عندما يأتي هذا التعديل بالتزامن مع تغييرات أخرى تتعلق بفلسطين والقدس، يصبح من الضروري النظر إلى الاتجاه العام وليس إلى كل عبارة بمعزل عن الأخرى.
فالسؤال ليس لماذا تغيرت كلمة واحدة، وإنما لماذا تتحرك مجموعة من التعديلات في اتجاه واحد: خفض حدة الخطاب المرتبط بإسرائيل وإعادة صياغة الطريقة التي يقدم بها الصراع إلى الطالب السعودي.
وماذا عن القدس؟
بحسب التقرير، اختفت أيضًا عبارة:
«المسلمون لن يتخلوا عن القدس».
وقد تبدو جملة واحدة داخل مئات الصفحات، لكنها ليست جملة عن موضوع هامشي.
القدس تحمل مكانة دينية وسياسية استثنائية، والسعودية نفسها تستمد جزءًا أساسيًا من مكانتها في العالم الإسلامي من وجود الحرمين الشريفين على أراضيها.
لذلك يصبح تغيير طريقة تناول القدس في المناهج السعودية مسألة تستحق الانتباه.
ولا يعني حذف هذه العبارة وحدها أن السعودية ألغت الحديث عن القدس من مناهجها، ولا يمكن استنتاج ذلك دون مراجعة الكتب كاملة.
لكن وضعها بجوار إزالة تسمية فلسطين من بعض الخرائط وتغيير المصطلحات المستخدمة تجاه إسرائيل يرسم نمطًا يستحق تفسيرًا رسميًا.
التغيير الهادئ أخطر من التصريح الصاخب
يمكن لوزير أن يدلي بتصريح ثم يوضحه.
ويمكن لمسؤول أن يتراجع عن موقف.
ويمكن لاتفاق سياسي أن يتغير مع تغير الحكومات.
لكن المنهج يعمل بطريقة مختلفة.
الطفل يقرأ الكتاب عامًا بعد عام، وتصبح المعلومات الموجودة فيه جزءًا من تصوره الطبيعي للعالم.
ولهذا فإن إعادة تشكيل المناهج قد تكون أعمق أثرًا من عشرات التصريحات السياسية.
فالطالب الذي كان يرى كلمة «فلسطين» على الخريطة، والطالب الذي ينظر إلى الخريطة نفسها دون أن يجدها، لا يتلقيان الصورة الجغرافية ذاتها.
هل يجري إعداد جيل بلغة سياسية مختلفة؟
هذا هو السؤال الذي تثيره التعديلات مجتمعة.
السعودية شهدت خلال سنوات قليلة تحولًا اجتماعيًا وثقافيًا هائلًا.
تقلص نفوذ المؤسسة الدينية التقليدية، وتغير الخطاب العام، وانفتحت قطاعات الترفيه والسياحة، وأصبحت العلاقات الدولية للمملكة أكثر براغماتية.
وفي الوقت نفسه أصبح ملف العلاقات السعودية مع إسرائيل حاضرًا باستمرار في النقاش السياسي الإقليمي والدولي.
لذلك لا يمكن منع المراقبين من التساؤل عما إذا كانت تعديلات المناهج جزءًا من إعادة تهيئة طويلة المدى للخطاب العام.
لكن من المهم أيضًا عدم تحويل هذا التساؤل إلى حقيقة مثبتة دون دليل مباشر على نية واضعي المناهج.
ما يمكن إثباته هو التغيير في النصوص والخرائط عند مقارنة النسخ. أما الغرض السياسي النهائي منه فيحتاج إلى أدلة إضافية.
التطبيع لا يبدأ بالضرورة بالسفارة
التحولات السياسية الكبرى لا تقع دائمًا في يوم واحد.
قبل فتح السفارات وتبادل السفراء، يمكن أن تتغير اللغة المستخدمة في الإعلام، ثم الكتب، ثم الثقافة العامة، ثم الطريقة التي تتصور بها الأجيال الجديدة الطرف الآخر.
ولهذا كانت المناهج دائمًا ساحة شديدة الحساسية.
فإذا تغيرت الطريقة التي يتعلم بها ملايين الأطفال السعوديين عن إسرائيل وفلسطين، فإن آثار ذلك لن تظهر بالضرورة هذا العام أو العام المقبل.
قد تظهر بعد عقد كامل.
وهنا يصبح الكتاب المدرسي جزءًا من تشكيل المناخ السياسي المستقبلي.
لكن أين فلسطين في المعادلة الجديدة؟
الموقف السعودي الرسمي ما زال يؤكد مركزية القضية الفلسطينية وضرورة قيام دولة فلسطينية.
وهنا تظهر المفارقة.
إذا كانت فلسطين بهذا القدر من المركزية في السياسة الخارجية، فإن اختفاء اسمها من خرائط مدرسية يحتاج إلى تفسير، وليس إلى تجاهل.
هل أصبحت الخرائط تعتمد معيارًا جغرافيًا جديدًا؟
هل تظهر فلسطين في خرائط أخرى؟
هل زاد المحتوى التعليمي عن القضية في صفحات أخرى أم انخفض؟
هل التعديلات مرتبطة بتحديث فني شامل أم بتغيير في السياسة التعليمية؟
هذه أسئلة يمكن لوزارة التعليم الإجابة عنها بسهولة إذا كانت هناك أسباب منهجية بحتة.
لا نريد طفلًا يتعلم الكراهية ولا طفلًا لا يعرف فلسطين
وهنا يجب ألا يتحول النقاش إلى خيار زائف.
ليس المطلوب أن يتعلم الطفل السعودي كراهية اليهود أو أي شعب أو ديانة حتى يعرف القضية الفلسطينية.
كما أن رفض خطاب الكراهية لا يتطلب محو فلسطين من الذاكرة.
يمكن كتابة منهج حديث ومتوازن يقول بوضوح إن هناك شعبًا فلسطينيًا، وأرضًا محتلة، ونزاعًا تاريخيًا، وحقوقًا سياسية وإنسانية، دون تعليم الطفل العداء الديني أو العرقي.
بل إن هذا تحديدًا هو دور التعليم الجيد: أن يحفظ الحقيقة دون أن يصنع الكراهية.
أما إزالة المعلومات نفسها تحت عنوان الاعتدال، فستكون مسألة مختلفة تمامًا.
من يقرر ما الذي يتذكره الجيل القادم؟
هذا هو الجانب الذي يجعل القضية أكبر من كتاب الدراسات الاجتماعية للصف الخامس.
الدولة التي تعدل منهجًا لا تغير الورق فقط؛ إنها تختار ما تعتبره معرفة ضرورية للأجيال الجديدة.
وكل ما يُضاف إلى الكتاب يحمل رسالة.
وكل ما يُحذف منه يحمل رسالة أيضًا، حتى لو لم تكن سياسية بالضرورة.
ولهذا فإن تكرار حذف تسمية فلسطين — إذا أكدته المقارنة المباشرة بين الطبعات — لا ينبغي المرور عليه باعتباره تفصيلًا تصميميًا صغيرًا.
المشكلة ليست في تخفيف اللغة بل في اتجاه التخفيف
يمكن تفهم استبدال مفردة حادة بأخرى أكثر دقة.
ويمكن تحديث المناهج لتصبح أكثر ملاءمة للتعليم الحديث.
لكن عندما تتجمع أمامنا ثلاثة مؤشرات: إزالة تسمية فلسطين من خرائط، وتخفيف اللغة المستخدمة تجاه إسرائيل، وحذف عبارة مرتبطة بالتمسك بالقدس، يصبح السؤال عن الاتجاه العام مشروعًا.
فهل يجري فقط تحديث المنهج؟
أم يجري بالتوازي إعادة تعريف العلاقة النفسية والسياسية التي تريد الدولة أن يحملها الجيل الجديد تجاه القضية الفلسطينية؟
الفرق بين الاحتمالين هائل.
الكتاب المدرسي قد يقول ما لا تقوله السياسة علنًا
ربما تكون أخطر دلالة في هذه القضية أن المناهج تتحرك ببطء وصمت.
لا مؤتمرات صحفية عند حذف جملة.
ولا بيانات رسمية عند تغيير خريطة.
ولا نقاش عام واسع حول كل فقرة تختفي من طبعة جديدة.
لكن بعد سنوات، يمكن أن يصبح مجموع هذه التغييرات كبيرًا للغاية.
ولهذا فإن القضية لا ينبغي اختزالها في الغضب من حذف كلمة، كما لا ينبغي تحويلها دون دليل إلى إثبات لاتفاق سياسي سري.
المطلوب أبسط من ذلك: الشفافية والمقارنة الدقيقة.
ضعوا الطبعات القديمة والجديدة جنبًا إلى جنب.
أحصوا مواضع ذكر فلسطين.
راجعوا الخرائط.
قارنوا دروس القدس والصراع والاحتلال.
وانظروا إلى ما حُذف وما أضيف وما أعيدت صياغته.
فإذا ظهر أن التغيير يقتصر على التخلص من العبارات التحريضية مع الحفاظ على المعرفة التاريخية والجغرافية بالقضية الفلسطينية، فهذه نتيجة.
أما إذا ظهر أن حضور فلسطين نفسه يتقلص تدريجيًا من الكتب، فسنكون أمام قضية مختلفة وأكثر خطورة.
لأن المسألة عندها لن تكون مجرد تغيير «العدو الصهيوني» إلى «الاحتلال الإسرائيلي».
ستصبح المسألة سؤالًا عن الذاكرة التي يجري بناؤها للجيل السعودي المقبل.
فالخرائط التي يدرسها أطفال اليوم ستصبح جزءًا من بديهيات رجال ونساء الغد.
ولهذا، فإن أخطر سؤال تطرحه هذه التعديلات ليس ما العبارة التي حُذفت هذا العام، وإنما: إذا استمر المسار نفسه عامًا بعد آخر، كم ستبقى فلسطين حاضرة في الكتاب الذي سيقرأه الطفل السعودي بعد عشر سنوات؟






