حين تصبح الملاحقة سياسة دولة: السعودية تحت مجهر المساءلة الدولية بعد سقوط جدار الحصانة

حين تصبح الملاحقة سياسة دولة: السعودية تحت مجهر المساءلة الدولية بعد سقوط جدار الحصانة

لم يعد القمع السعودي محصورًا داخل الحدود، ولا يمكن تسويقه بعد اليوم كـ«شأن سيادي داخلي». الحكم الصادر عن المحكمة العليا في لندن لصالح المعارض السعودي غانم المصارير الدوسري لا يمثل مجرد انتصار قضائي فردي، بل كسرًا علنيًا لجدار الصمت والحصانة الذي احتمت به الرياض طويلًا في ملاحقة معارضيها خارج البلاد. فحين تتحول أدوات الدولة إلى برامج تجسس عسكرية، وتُستكمل بالملاحقة الجسدية في عواصم غربية، فإننا لا نكون أمام تجاوزات معزولة، بل أمام نمط قمع عابر للحدود يستدعي مساءلة دولية لا بيانات قلق.

 حكم لندن سابقة تُسقط ذريعة «الحصانة»

يمثل حكم المحكمة العليا البريطانية نقطة تحول قانونية بالغة الدلالة. فرفض المحكمة لدفوع السعودية بالحصانة السيادية، ثم إقرارها بوجود أساس مقنع يربط اختراق أجهزة غانم المصارير ببرنامج «بيغاسوس» وبدوافع سياسية، يضع الدولة السعودية في موقع المتهم لا الشريك. هذا التطور ليس تقنيًا، بل سياسي بامتياز: إذ يؤسس لمعادلة جديدة تقول إن السيادة لا تبرر الجريمة، وإن ملاحقة المعارضين خارج الحدود لا يمكن تغليفها بالقانون الدولي.

الأخطر أن انسحاب السعودية من إجراءات التقاضي، بدل الدفاع أو النفي، عزز الانطباع بأن الحكم لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان غير مرغوب فيه. هذا السلوك يطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف لدولة تسعى لتقديم نفسها كشريك موثوق دوليًا أن تتجاهل محكمة عليا في واحدة من أعرق الديمقراطيات القضائية في العالم؟

 من الرقابة الرقمية إلى الاعتداء الجسدي قمع بلا خطوط حمراء

قضية المصارير تكشف بوضوح طبيعة القمع السعودي الجديد: قمع هجين يجمع بين التكنولوجيا والعنف المباشر. استخدام برنامج تجسس قادر على تحويل الهاتف الشخصي إلى أداة مراقبة شاملة، ثم الانتقال إلى الاعتداء الجسدي في شوارع لندن، يكشف أن الخط الفاصل بين الرقابة والانتقام قد أُلغي بالكامل.

ما يجعل هذه القضية أكثر خطورة هو السياق: المصارير كان لاجئًا سياسيًا يتمتع بحماية قانونية كاملة، ومع ذلك لم تمنع هذه الحماية اختراق خصوصيته ولا استهدافه جسديًا. الرسالة هنا ليست موجهة له وحده، بل لكل معارض في الخارج: لا مكان آمن، ولا حصانة حقيقية، طالما أن التكنولوجيا متاحة بلا ضوابط، والإرادة السياسية حاضرة.

هذا النمط لا يمكن فصله عن سجل أوسع من الملاحقات الرقمية، حيث تشير تقارير حقوقية إلى استهداف عشرات—بل مئات—الناشطين باستخدام أدوات تجسس متطورة، في غياب أي محاسبة دولية حقيقية حتى الآن.

 التكنولوجيا كسلاح سياسي وغياب المحاسبة الدولية

دعوة منظمة «أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان» لفتح مسار مساءلة دولية ليست ترفًا أخلاقيًا، بل استجابة لفراغ خطير في النظام الدولي. برامج التجسس مثل «بيغاسوس» تُباع وتُستخدم في بيئة شبه غير منظمة، ما يسمح لدول باستخدامها كسلاح صامت لإسكات المعارضين دون ترك آثار تقليدية.

المشكلة لا تكمن فقط في من يستخدم هذه الأدوات، بل في صمت الدول التي تسمح بتداولها، أو تغض الطرف عن نتائج استخدامها حين يتعلق الأمر بحلفاء استراتيجيين. وهنا يتبدى التناقض الغربي الصارخ: خطاب صارم عن حرية التعبير، يقابله تهاون عملي عندما تكون الانتهاكات صادرة عن شركاء نافذين اقتصاديًا وسياسيًا.

إن استمرار هذا الصمت يفتح الباب أمام تعميم نموذج القمع العابر للحدود، ويحوّل المنفى من مساحة حماية إلى امتداد غير معلن لسجون الداخل.


ما بعد الحكم: إما مساءلة دولية أو شرعنة القمع العابر للحدود


قضية غانم المصارير ليست فصلًا منتهيًا، بل اختبارًا حقيقيًا لإرادة المجتمع الدولي. فإما أن يُبنى على حكم لندن مسار مساءلة جاد يضع حدًا لاستخدام التكنولوجيا كسلاح سياسي، أو يُترك الحكم معزولًا، ليصبح مجرد استثناء في بحر من الإفلات من العقاب.

السعودية اليوم أمام مفترق طرق: إما الاعتراف بأن زمن القمع بلا تكلفة قد انتهى، أو الإصرار على سياسة ستجعلها أكثر عرضة للملاحقة القضائية والعزلة الحقوقية. أما العالم، فمطالب بالاختيار هو الآخر: هل تبقى حرية التعبير قيمة كونية تُحمى، أم امتيازًا يُمنح ويُسحب وفق ميزان المصالح؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية