حين تعبر القبضة الحدود: هندسة الردع السعودي خارج الجغرافيا

حين تعبر القبضة الحدود: هندسة الردع السعودي خارج الجغرافيا

السعودية
السعودية

لم يعد القمع، في الحالة السعودية، محصورًا في حدود الدولة أو أدواتها الداخلية التقليدية. الوقائع الموثقة خلال الأعوام الأخيرة تكشف انتقالًا نوعيًا من الملاحقة المحلية إلى ما يمكن وصفه بـ«هندسة الردع العابرة للحدود»؛ نمط منهجي يُسخَّر فيه التعاون الأمني الإقليمي والثنائي لتوقيف أفراد في دول ثالثة، وتسليمهم أو ترحيلهم قسرًا، بسبب نشاطهم السلمي أو آرائهم السياسية، بل وأحيانًا بسبب صلاتهم العائلية. هذه ليست حالات متفرقة، بل سلسلة مترابطة تشير إلى سياسة تُدار بأدوات قانونية وأمنية، وتستفيد من فجوات الضمانات الإجرائية في الأطر القائمة.

تعتمد السلطات على اتفاقيات ثنائية لتسليم المطلوبين والتعاون الأمني، إلى جانب أطر إقليمية مثل مجلس التعاون الخليجي ومجلس وزراء الداخلية العرب. المشكلة ليست في مبدأ التعاون ذاته، بل في بنيته الحالية: غياب نصوص صريحة تحظر التسليم عند وجود خطر حقيقي بالتعذيب أو الاختفاء القسري، وانعدام التزام واضح بإجراء تقييم فردي مستقل للمخاطر، وافتقار الرقابة القضائية الفعّالة. النتيجة العملية هي الالتفاف على مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتحويل التعاون الأمني إلى مسار مختصر لتجريد الأفراد من حقوقهم الأساسية.

من اتفاقيات التعاون إلى مسارات مختصرة للترحيل

النمط المتكرر يبدأ بطلب توقيف سعودي في دولة ثالثة، يتبعه تسليم أو ترحيل سريع دون فحص جدي للمخاطر. تُظهر شهادات وتقارير حقوقية أن الإجراءات غالبًا ما تُنجز بوتيرة متسارعة، وبحد أدنى من الشفافية، وبلا إتاحة حقيقية للطعن القضائي. هنا يتبدّى الخلل البنيوي: حين تتحول الاتفاقيات الأمنية إلى أدوات تنفيذ إداري شبه تلقائي، تُختزل العدالة في توقيع، وتُختصر الحقوق في مهلة زمنية ضيقة لا تسمح بالتحقق.

في حالات متعددة، تبيّن أن طلبات التسليم لم تُقابل بتقييم مستقل لاحتمال التعرض للتعذيب أو الاختفاء القسري بعد العودة. وفي حالات أخرى، لم تُراعَ تدابير مؤقتة صادرة عن هيئات أممية. هذه الثغرات ليست تفصيلًا إجرائيًا؛ إنها جوهر الضمانة التي يفترض أن تسبق أي نقل قسري. وحين تغيب، يتحول التعاون إلى قناة لتصدير الخطر بدل منعه.

بعد الوصول احتجاز في الظل

المرحلة التالية، وفق تقارير منظمات حقوقية، تتسم باحتجاز فوري في ظروف سرية أو شبه سرية. يُحجب أو يُؤخَّر الإفصاح عن مكان الاحتجاز، ويُحرم المحتجز من التواصل مع العائلة أو المحامي، ويُستخدم الاحتجاز الانفرادي كمرحلة أولى قبل أي إجراءات قضائية. هذا التسلسل—توقيف سريع، نقل عاجل، احتجاز معزول—يرسّخ سياسة ردع تتجاوز الشخص إلى محيطه الاجتماعي، فتبعث رسالة مفادها أن الحدود لم تعد ملاذًا.

تُبرز ملفات معروفة هذا النمط بوضوح: تسليم حسن آل ربيع من المغرب عام 2023 أعقبه احتجاز في ظروف اختفاء قسري لأشهر. أسامة الحسني أُعيد من المغرب عام 2021 رغم طلب تدابير مؤقتة من لجنة مناهضة التعذيب. الناشط أمجد طارق الفرج أُعيد قسرًا من عُمان عام 2019. تسليم الشاعر نواف الرشيد من الكويت عام 2018، وترحيل المدافع عن حقوق الإنسان محمد العتيبي من قطر عام 2017، وإعادة دينا علي السلوم من الفلبين في العام نفسه وسط غموض مستمر حول مصيرها—كلها حلقات في سلسلة واحدة. أما اغتيال الصحفي جمال خاشقجي عام 2018 فقد شكّل المثال الأشد خطورة على توظيف البعثات الدبلوماسية نفسها كأدوات للقمع خارج الحدود.

الاستهداف، كما تشير الوقائع، يطال المعارضين السياسيين في الخارج، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين، والنشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، مع مخاطر مرتفعة بحق أفراد من مناطق مهمّشة أو أقليات، وبحق أقارب مطلوبين—في توسيع متعمّد لدائرة الردع.

كلفة منخفضة ومساءلة غائبة

رغم وضوح الالتزامات القانونية الدولية—لا سيما حظر التعذيب ومبدأ عدم الإعادة القسرية—تظل المساءلة شبه غائبة. التحقيقات المستقلة نادرة، والملاحقات القضائية محدودة، وتفعيل الولاية القضائية العالمية ضعيف. الرسالة العملية التي تترسخ هي أن الكلفة السياسية والقانونية منخفضة، ما يشجّع على التكرار والتوسّع.

هذه المعادلة تُنتج حلقة مفرغة: كلما مرّت حالة بلا تدقيق مستقل أو تبعات ملموسة، تعززت قابلية تكرارها. ومع كل تكرار، يبهت الاستنكار ويُطبع الاستثناء. وحين تُوصف الوقائع بأنها “حوادث معزولة”، يُسحب منها سياقها البنيوي، ويُعاد تدويرها كأخبار عابرة لا كمؤشرات سياسة.

اختبار الإرادة قبل اختبار النصوص

ما تكشفه الحالة السعودية ليس مجرد انتهاكات متفرقة، بل بنية تُدار عبر شبكة اتفاقيات وأطر إقليمية وأدوات دبلوماسية، في غياب ضمانات حقوقية فعّالة. القمع العابر للحدود، بهذا المعنى، ليس طارئًا؛ إنه امتداد منطقي لمنظومة تعتبر الأمن أولوية مطلقة، ولو على حساب الشرعية الإجرائية.

التحدي لم يعد في توثيق إضافي—فالوقائع موثقة—بل في تحويل النصوص إلى ممارسات. يتطلب ذلك إلزام الدول الشريكة بإدراج ضمانات صريحة ضد التسليم عند خطر التعذيب أو الاختفاء القسري، وفرض تقييم فردي مستقل للمخاطر، وتمكين الطعن القضائي الفعّال قبل أي نقل. كما يستدعي تفعيل آليات المساءلة، بما في ذلك الولاية القضائية العالمية حيثما توافرت شروطها، وربط التعاون الأمني باحترام معايير حقوق الإنسان.

في نهاية المطاف، المسألة اختبار لإرادة دولية حقيقية تعيد الاعتبار لسيادة القانون، وتضع حدًا لاستخدام التعاون الأمني كسلاح سياسي. فحين تعبر القبضة الحدود بلا كلفة، تصبح الحدود نفسها جزءًا من المشكلة، لا من الحل.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية