لم تعد ميزانية السعودية لعام 2026 حدثًا ماليًا عابرًا أو وثيقة حكومية يمكن تمريرها تحت ضجيج المؤتمرات. لقد تحولت في لحظة الإعلان عنها إلى مرآة تفضح أكثر مما تشرح، وتكشف أكثر مما تخطط، وتُعرّي الفجوة القاتلة بين الخطاب الرسمي الذي يُغرق الداخل بوعود لا تنتهي، وبين قراءة العالم للواقع السعودي الذي يزداد اضطرابًا رغم كل ما صُرف من أموال وكل ما رُفع من شعارات. وفي اللحظة التي حاولت فيها السلطات تقديم الميزانية بوصفها خطوة محسوبة بدقة، تولّت الصحافة العالمية مهمة نزع ورقة التوت عنها، لتقدّم صورة لا تُشبه الرواية الحكومية في شيء: دولة تنفق بلا إنتاج، واقتصاد غير نفطي لا يزال هشًا رغم الوعود، وصندوق سيادي غارق في الالتزامات، وعجز مالي يُقدَّم على أنه “مقصود”، بينما يراه العالم مؤشرًا على خلل بنيوي لا يمكن تغطيته بمساحيق الإعلام.
«الصحافة العالمية لم تكتفِ بالنقد… بل مزّقت القناع بالكامل»
تقرير رويترز كان الضربة الأولى في سلسلة من التحليلات التي لاحقت إعلان الميزانية فور صدورها، إذ قالت الوكالة — بلا مواربة — إن استمرار العجز وارتفاع الإنفاق يكشفان عن “اختلال في إدارة المالية العامة”. ليست هناك عبارات مُنمّقة ولا محاولة لتلطيف الحقيقة؛ فالاقتصاد الذي لا يستطيع ضبط نفقاته في سنوات الرخاء لا يُتوقع منه أن ينجو في سنوات الشح. وبينما يحاول المسؤولون تقديم العجز بوصفه قرارًا «استراتيجيًا»، تحذر رويترز من أن هذا «القرار» يعكس نمطًا خطيرًا: إنفاق يتجاوَز الإيرادات على نحو متسلسل، واقتراضٌ يتمدد عامًا بعد عام، ومشاريع لا تتحول إلى موارد إنتاجية.
وفي زاوية مختلفة، جاءت فايننشال تايمز لتسقط آخر ما تبقى من ادعاءات الانضباط المالي، إذ وصفت الميزانية بأنها تُظهِر عجزًا يكسر الفجوة بين ما تقوله السعودية وما تحققه فعليًا. فالصحيفة التي تراقب الاقتصاد السعودي منذ سنوات لاحظت أن كل عام يحمل الوعود نفسها: رفع النمو غير النفطي، توسيع القاعدة الإنتاجية، تقليل الاعتماد على النفط… بينما تحمل الأرقام النتيجة نفسها: تباطؤ في النمو، زيادة في الإنفاق على حساب الإيرادات، وميزانية لم تعد تتحمل صدمة انخفاض الأسعار، رغم كل ما يُقال عن التنويع.
أما بلومبيرغ، فقد تناولت ميزانية 2026 من زاوية أشد مباشرة، مؤكدة أن العجز الجديد «يكشف أن الإصلاحات الاقتصادية لم تُثمر بعد»، وأن النمو غير النفطي — الذي يُفترض أنه الركن الأساسي في رؤية 2030 — ما يزال أقرب إلى خطاب إعلامي منه إلى اقتصاد فعلي، إذ لم تظهر القطاعات الجديدة قدرة على خلق دخل حقيقي يعادل جزءًا من الإنفاق الهائل الذي ضُخّ في المشاريع العملاقة.
«الغارديان ونيويورك تايمز: أين ذهبت المليارات؟»
الغارديان، كالعادة، لم تكتفِ برصد الأرقام بل ذهبت نحو السؤال الأخطر: أين ذهبت الأموال؟ ولماذا لم تصل المشاريع إلى نهايتها؟ فمئات المليارات التي صُرفت على الترفيه والمواسم والفعاليات والمشاهير لم تُنتج اقتصادًا، ولم تُخفّض البطالة، ولم تُحسّن جودة الحياة، بل تحولت إلى عروض استعراضية فقدت مفعولها الدعائي. وفي نظر الصحيفة البريطانية، فإن هذا الإنفاق يعكس «فلسفة مالية بلا أقدام»، حيث يجري التعامل مع الاقتصاد باعتباره مسرحًا وليس منظومة إنتاج.
ونيويورك تايمز لم تختلف كثيرًا، فقد قالت إن «نتائج الإنفاق لا تتناسب مع حجمه»، وإن الميزانية تكشف عجزًا يتكرر عامًا بعد عام دون أن تظهر ملامح معالجة حقيقية، مشيرة إلى أن السعودية تبدو وكأنها تعود تدريجيًا إلى نمط اقتصاد ريعي تقليدي رغم وعود التحول الهائل.
واشنطن بوست ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ وصفت العجز بأنه «علامة تحذير اقتصادي»، وأن استمرار هذا الاتجاه لا يشير إلى دولة تتقدّم نحو تنويع اقتصادي، بل إلى دولة تواجه مقاومة شديدة من الواقع المالي لا تستطيع شعارات الرؤية كسرها.
«قراءة الإيكونوميست: المشكلة ليست في الأرقام… بل في النموذج نفسه»
الإيكونوميست، الأكثر صراحة وعمقًا، لم تتحدث عن العجز فقط، بل تحدثت عن فشل النموذج الاقتصادي كله، مؤكدة أن السعودية — رغم إنفاق غير مسبوق — لم تنجح في خلق اقتصاد غير نفطي فعّال، وأن المشاريع الضخمة لم تنتج سوى ديون جديدة ونفقات متراكمة، وأن أي دولة تبني اقتصادها على القدرة الشرائية للدولة نفسها بدلاً من الإنتاج الحقيقي، ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا في حلقة مغلقة من العجز والاقتراض.
وفي هذا السياق، لا تبدو تصريحات وزير المالية بأن «العجز مُصمّم ومقصود» إلا محاولة لتغليف الأزمة بعبارات تقنية، بينما الحقيقة أن الدولة لم تعد تستطيع ضغط نفقاتها دون أن تتوقف مشاريع الرؤية، ولم تعد تستطيع رفع إيراداتها دون صدمة اجتماعية، ولم تعد تستطيع الاعتماد على النفط دون كسر كل وعود التنويع.
العجز «مقصود»؟
ربما.
لكن الأهم: هل هو مستدام؟
العالم يُجيب: لا.
«ميزانية 2026 بصفتها إعلانًا صريحًا عن نهاية مرحلة»
ما جمع الصحف العالمية — رغم اختلاف زواياها — هو اتفاقها على أن ميزانية 2026 ليست مجرد وثيقة مالية، بل هي شهادة رسمية على أن نموذج السعودية الاقتصادي لم يُولد بعد، وأن الرؤية التي شُيّدت على الوعود تواجه الآن حقيقتها العارية: اقتصاد غير قادر على تمويل طموحاته، صندوق سيادي غارق في التزاماته، نفط لم يعد يكفي، وقطاعات غير نفطية لم تنهض، ومشاريع لا تستطيع الدولة إكمالها دون مزيد من الاقتراض.
لقد حاولت السعودية أن تُظهر للعالم ميزانية محسوبة… لكنها أظهرت نفسها أكثر من أي وقت مضى: دولة على حافة اختبار صعب، اقتصاد يهرب للأمام، خطاب لا ينسجم مع الأرقام، ومشهد مالي لا تخطئه عين مراقب.
« حين تتكلم الأرقام… يصمت الخطاب»
الميزانية لم تُحرج السعودية أمام العالم فقط، بل كشفت أن المرحلة المقبلة لن تُدار بالدعاية ولا بالمؤتمرات، بل بمواجهة الحقيقة المالية التي لا يمكن رشوتها أو تجاوزها. وكلما حاولت السلطة تأجيل هذه المواجهة عبر العجز «المقصود»، والإنفاق «المبرر»، والمشاريع «القابلة للتعديل»، كلما اتسعت الفجوة بين ما هو مُعلن وما هو قائم على الأرض.
فالسؤال لم يعد: هل لدى السعودية عجز مالي؟
السؤال هو: كم عامًا يمكن أن تصمد دولة تعتمد على الوعود بينما تتكشف لها الحقائق؟
وإذا كانت ميزانية 2026 رسالة، فهي تقول بوضوح:
الأزمة لم تعد في المستقبل… بل وصلت فعليًا.






