لم تعد الإشكالية المطروحة اليوم مرتبطة بحدث عابر أو حملة تشويه مؤقتة، بل باتت سؤالًا ثقيلًا عن طبيعة المسار الذي اختارته الدولة حين سلّمت أدواتها الرمزية والمالية الكبرى لمشاريع تُدار بلا ضوابط ثقافية أو دينية واضحة. الجدل المتصاعد حول ارتباط بعض الفعاليات الرياضية الممولة سعوديًا بمشاهد وخطابات دينية غربية لا ينطلق من فراغ، بل من تراكم سياسات انفتاح غير منضبطة، جعلت المال يتقدّم على الهوية، والصورة على المعنى، والصمت على التوضيح. في هذا السياق، لا يصبح الاتهام بحد ذاته هو الخطر، بل البيئة التي سمحت بظهوره وانتشاره دون رادع.
الرياضة كمنصة بلا هوية: حين تُرفع كل القيود باسم “العولمة”
تحوّلت الرياضة، في المشروع السعودي الجديد، من نشاط تنافسي إلى أداة نفوذ ناعم تُستخدم لفرض الحضور الدولي وشراء الشرعية الرمزية. غير أن المشكلة لم تكن في الاستثمار بحد ذاته، بل في الكيفية. الفعاليات الرياضية الممولة سعوديًا لم تُقدَّم بوصفها مشاريع ذات حساسية ثقافية، بل كمنتجات عالمية “محايدة”، تُقام في فضاءات مشبعة بثقافة دينية غربية، وتُدار وفق قواعد لا تعترف بأي خصوصية رمزية. هذا الحياد المزعوم لم يكن بريئًا؛ إذ فتح الباب أمام تداخل الدين بالترفيه، والطقس بالعرض، والرمز بالعلامة التجارية، دون أي إطار يحدّد ما هو مقبول أو مرفوض. حين تُلغى الحدود بهذا الشكل، لا يعود مستغربًا أن تُقرأ هذه المنصات بوصفها بيئات قابلة للاستخدام الدعوي أو التبشيري، حتى وإن لم يكن ذلك هدفًا معلنًا.
المسؤولية الصامتة: حين يصبح غياب التوضيح رسالة سياسية
في القضايا الرمزية، لا يُقاس الفعل بما يُقال فقط، بل بما يُترك دون قول. غياب أي خطاب رسمي يشرح حدود الانفتاح، أو يضع فاصلًا واضحًا بين الاستثمار الرياضي واحترام الخصوصية الدينية، حوّل الصمت إلى موقف. وحين يكون صانع القرار مسؤولًا عن إدارة مليارات الدولارات، وعن ربط اسم الدولة ومؤسساتها السيادية بهذه الفعاليات، فإن الامتناع عن التوضيح لا يُقرأ كحياد، بل كإهمال متعمد لحساسية المجتمع الذي يُفترض أنه الممثل الأول له. هنا لا تُطرح مسألة “دعم التنصير” كحقيقة مثبتة، بل كاتهام سياسي نشأ من فراغ تنظيمي، ومن غياب أي جهد لطمأنة الداخل أو رسم خطوط حمراء تحمي الرمزية الدينية من الذوبان في السوق.
من الانفتاح إلى التسييل: حين تُختزل الهوية في صورة تسويقية
أخطر ما أنتجته هذه السياسات ليس الجدل الخارجي، بل التآكل الداخلي لمعنى الهوية. حين تُدار المشاريع الكبرى بعقلية تجارية بحتة، تُختزل القيم إلى عناصر قابلة للتسويق، ويُعاد تعريف الدين بوصفه “تفصيلًا ثقافيًا” يمكن تجاوزه إن أعاق الصورة العالمية. هذا التحول لا يحتاج إلى قرار مكتوب، بل يحدث تدريجيًا عبر الإغراق في المال، والتطبيع مع كل ما هو “عالمي”، والتعامل مع الحساسية الدينية باعتبارها عبئًا لا رصيدًا. في هذه البيئة، يصبح أي اتهام – مهما كان خطيرًا – قابلًا للتصديق، لأن المنظومة نفسها نزعت عن نفسها أدوات الدفاع الرمزي.
الاتهام ليس الخطر الخطر هو الفراغ
القضية المطروحة لا تتعلق بإثبات دعم ديني أو نفيه، بل بسؤال أعمق: من يحمي المعنى حين تُفتح كل الأبواب؟ حين تُدار الرياضة بلا بوصلة ثقافية، وتُستخدم المؤسسات السيادية في فضاءات بلا ضوابط، ويُترك المجتمع بلا خطاب يشرح أو يطمئن، فإن الاتهامات تصبح نتيجة طبيعية لا مؤامرة. الخطر الحقيقي ليس في ما يُقال، بل في الفراغ الذي يسمح بانتشاره. وما لم يُعاد تعريف الانفتاح بوصفه سياسة مسؤولة لا عملية تسييل، ستظل الدولة تدفع ثمن صمتها، لا لأن الخصوم أقوياء، بل لأن المعنى تُرك بلا حراسة.






