تصريحات وزير المالية السعودي لمحطة بلومبيرغ لم تكن “واقعية” كما حاولت وسائل الإعلام الموالية تسويقها، بل كانت أقرب إلى اعتراف متأخر بأن مشاريع رؤية 2030 لم تعد خطًا مقدسًا، وأن النظام مستعد الآن لقطع أطراف من المشروع الذي باعه للعالم على أنه خطة تاريخية لا تخطئ. فجملة من نوع: «نحن منفتحون على إلغاء بعض المشاريع، لا نملك أي غرور» لا تخرج من مسؤول واثق، بل من سلطة بدأت تشعر بثقل الفاتورة، وبأن الكاميرا لم تعد تكفي لإقناع الأسواق والمستثمرين والشعب بأن كل هذا الإسفلت والإعلانات والدعاية قابل للتحقق.
الرسالة الأعمق ليست في الحديث عن “التعديل والتسريع والتأجيل”، بل في القبول العلني لفكرة الإلغاء نفسها، بعد سنوات من خطاب يقسم بأن كل حجر في نيوم، وكل خط في “ذا لاين”، وكل مشروع على الورق، جزء من “مصير لا رجعة عنه”. الآن، يطل الجدعان ليقول ببساطة: يمكن حذف ما لا نستطيع تحمّله. هذا ليس تواضعًا، بل انهيارًا تدريجيًا لأسطورة “الرؤية التي لا تُمس”.
«رؤية على الورق ومقص بيد وزير المالية: من لغة الإلهام إلى منطق القصّ والحذف»
منذ إطلاق رؤية 2030، بُنيت الدعاية على فكرة أن كل مشروع جزء من “تحوّل تاريخي” لا يشبه شيئًا سبق في المنطقة. كان الخطاب يقول إن كل مدينة مستقبلية، وكل واجهة بحرية فاخرة، وكل مشروع ضخم في نيوم والبحر الأحمر والقدية والرياض الجديدة، يمثل “قفزة” لا رجعة عنها. اليوم، يتحدث وزير المالية بالمنطق نفسه الذي يستخدمه مدير مشروع فاشل أمام مجلس إدارة غاضب: “نستطيع إعادة ترتيب الأولويات، حذف ما يلزم، لا مشكلة، المهم أن نكمل العرض.”
القول بأنه “لا يوجد غرور” لا يمحو حقيقة أن النظام سوّق لسنوات مشروعًا تضخمت وعوده إلى درجة الخيال، ثم اكتشف متأخرًا أن قدرة الاقتصاد على تمويل هذا الخيال محدودة جدًا.
التغير الحقيقي ليس في “تواضع” المسؤولين، بل في قدرة الدولة المالية:
عجز متواصل حتى 2028 باعتراف وزير المالية نفسه.
اقتراض متزايد من السوق العالمية على مستوى الحكومة والبنوك والصندوق.
أرامكو تدرس بيع أصول حيوية لجمع مليارات الدولارات.
صندوق الاستثمارات العامة يضغط على شركائه لإنقاذ استثمارات قديمة قبل ضخ جديد.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “إلغاء مشاريع” ليس خيارًا استراتيجيًا مرنًا، بل نتيجة طبيعية لواقع صارخ: لا توجد أموال كافية لمواصلة المسرحية بنفس الحجم.
«نيوم تحت المقصلة: عندما يهرب الوزير من الجواب إلى ذراع ابن سلمان المالية»
السؤال الذي طرحته بلومبيرغ كان مباشرًا ومحرجًا في آن:
هل يمكن أن تشمل الإلغاءات المحتملة مشاريع في نيوم؟
هنا لم يجرؤ محمد الجدعان على إجابة سياسية واضحة، بل قفز فورًا إلى ملاذه الآمن:
«القرار يعود لصندوق الاستثمارات العامة».
هذه الجملة وحدها تكفي لفضح طريقة إدارة الدولة:
مشاريع بحجم دول تُدار لا عبر مؤسسات منتخبة أو رؤية اقتصادية خاضعة للمساءلة، بل عبر صندوق يرأسه ولي العهد، لا يخضع لرقابة حقيقية، ولا لشفافية في القرارات.
مصير نيوم — المشروع الذي أُهدر عليه ما لا يُحصى من المال، وهُجّر لأجله أهالي الحويطات، وسُوِّق عالميًا على أنه “مدينة المستقبل” — يمكن أن يُحسم بقرار داخلي في صندوق الاستثمارات، لا عبر نقاش وطني ولا برلمان ولا حتى إعلان مفصل إحالة قرار الإلغاء إلى الصندوق ليست “تقنية”، بل سياسية للغاية النظام يقول بين السطور “إذا اضطررنا لذبح جزء من الرؤية، فسيكون ذلك بيد محمد بن سلمان وحده.”
ومجرد طرح احتمال إلغاء مشاريع في نيوم — ولو تلميحًا — يكشف أن المشروع الذي صُوِّر كركيزة التحول لم يعد untouchable، بل تحول إلى بند قابل للمساومة والحذف، حسب حالة السيولة ومزاج السلطة.
«منطق إدارة أزمة لا منطق بناء دولة: إلغاء اليوم… وماذا عن تعويض الخراب؟»
المشكلة ليست في الاعتراف المتأخر بأن بعض المشاريع يجب أن تُلغى، بل في أن النظام:
أنفق مليارات على الدعاية لا على الجدوى هدم مجتمعات محلية لصالح مشاريع استعراضية عقد عقودًا، ووقّع مذكرات تفاهم، وجلب مستشارين، ورفع سقف التوقعات داخليًا وخارجيًا. ثم اليوم يأتي ليقول: يمكن أن نلغي.
ماذا عن الأراضي التي صودرت ؟ الناس الذين هُجّروا ؟ الشركات التي بنت خططها على أساس وعود حكومية؟ الشباب الذين تم حشو رؤوسهم لسنة كاملة بأن المستقبل كله في “قطار الرؤية”؟
الإلغاء هنا ليس “مرونة”، بل إدانة بأثر رجعي. إدانة لمشروع مبني على: سوء تقدير للقدرة المالية
استهانة بجدية التخطيط خلط بين الإعلان وبين التنفيذ استخدام المال العام كأداة دعاية ثم التراجع عندما تنفد الذخيرة
النظام يقدّم نفسه اليوم كمن يتصرف بعقلانية حين يعترف بأنه قد يحذف بعض المشاريع، لكنه يتجاهل أنه هو من خلق تضخم الوعود أصلًا، وهو من سوّق لسنوات لمشاريع لا تستند إلى واقع اقتصادي متين.
حين يسقط القناع وتظهر الدولة كما هي بلا خطه بلا بوصلة بلا مستقبل
اللحظة التي يعترف فيها وزير المالية بأن المشاريع الكبرى قابلة للإلغاء، وأن العجز خيار، وأن الأولويات يمكن أن تُقلب فجأة، هي اللحظة التي تسقط فيها الصورة القديمة لرؤية 2030 بوصفها “خطة تاريخية محكمة” وتظهر على حقيقتها: ملف مفتوح في يد سلطة فردية، تضيف وتحذف فيه كما تشاء، دون مؤسسات، دون مساءلة، ودون أن يسأل أحد عن ثمن الأخطاء.
رؤية قابلة للإلغاء ليست رؤية… بل حملة تسويق طويل الأمد. ومشاريع يمكن حذفها بجملة في مؤتمر صحفي ليست مشاريع دولة… بل عروضًا تجريبية على حساب المال العام والناس.
النظام السعودي يحاول اليوم أن يبيع التراجع على أنه نضج، وأن يُقدّم الإلغاء كفضيلة، وأن يُخفي خلف عبارة “لا نملك غرورًا” حقيقة أكثر قسوة: أن الغرور كان في إطلاق كل هذا الوهم، لا في التراجع عنه الآن.
ومَن يعتاد إدارة بلده بالضغط على زر “إلغاء”، سينتبه متأخرًا إلى أن أكثر ما تم إلغاؤه…
هو ثقة الناس، وصدقية الكلام، ومعنى “الرؤية” نفسها.






