خمس سنوات على اعتقال أحمد الحويطي الشاهد الذي لم يُسمح له بالكلام

خمس سنوات على اعتقال أحمد الحويطي الشاهد الذي لم يُسمح له بالكلام

في الأول من أكتوبر، تمر الذكرى الخامسة على اعتقال الشاب أحمد عبد الناصر الحويطي، الذي لم يكن يبلغ سوى 19 عامًا حين اقتيد من منزله في محافظة تبوك، فقط لأنه قال “لا” لمشروعٍ أراد اقتلاع أهله من أرضهم. خمس سنوات مضت وأحمد لا يزال في السجن، محكومًا عليه بـ20 عامًا، بينما والده يقضي 27 عامًا، وعمّه 35 عامًا، لأنهم جميعًا رفضوا أن تُمحى قبيلتهم من الوجود باسم “التحول الوطني” و”مدينة المستقبل”.

هذه ليست مجرد مأساة عائلية، بل عنوان لجريمة متكاملة اسمها نيوم  المشروع الذي وُلد على أنقاض قبائل، وبُني على دماء أبنائها.

حلم “المستقبل” بدماء الماضي

حين أعلن محمد بن سلمان عن “نيوم” في 2017، وصفها بأنها “مدينة خضراء، ذكية، إنسانية”، لكن الحقيقة كانت منذ البداية عكس ذلك تمامًا. فالمنطقة التي اختارها للمشروع تقع في أراضي قبيلة الحويطات الممتدة تاريخيًا في شمال غرب الجزيرة العربية، وهي قبيلة لها جذورها قبل نشوء الدولة السعودية الحديثة.

في 2020، بدأت حملة التهجير القسري. الجنود حاصروا القرى، وأُجبر الأهالي على توقيع “موافقات” بالإخلاء. من رفض، صُنّف “إرهابيًا” أو “معاديًا للدولة”.

وفي إبريل من العام نفسه، قتلت قوات الأمن عبد الرحيم الحويطي، ابن عم أحمد، داخل منزله بعد أن نشر مقاطع فيديو يوثّق فيها عملية الإخلاء القسري ويقول فيها بوضوح: “لن نغادر أرضنا.”

منذ تلك اللحظة، تحوّلت نيوم من “مدينة ذكية” إلى رمز للقمع والقتل باسم التنمية.

 جيلٌ يُسجن كي يُمحى صوته

كان أحمد عبد الناصر وقت اعتقاله في التاسعة عشرة من عمره، طالبًا جامعيًا وناشطًا على وسائل التواصل الاجتماعي. جريمته الوحيدة أنه عبّر عن رفضه التهجير ونشر مقاطع تنتقد الاعتقالات التعسفية في تبوك.

اعتُقل في أكتوبر 2020 ضمن حملة واسعة طالت العشرات من أبناء القبيلة. وظل رهن الاحتجاز التعسفي سنتين كاملتين قبل أن تصدر المحكمة الجزائية المتخصصة في 2022 حكمًا بسجنه 20 عامًا، فيما حكمت على والده 27 عامًا وعلى عمّه 35 عامًا، بتهم فضفاضة مثل “الإساءة لسمعة الدولة” و“دعم الإرهاب” و“التحريض ضد رؤية 2030”.

هذه الأحكام لم تصدر عن قضاء مستقل، بل عن أداة قمع تستخدمها السلطة لتكميم أي صوت يرفض بيع الأرض.

“نيوم”: مدينة المستقبل تُبنى على أنقاض الحاضر

المفارقة المأساوية أن النظام السعودي يروّج نيوم للعالم كمشروع بيئي وإنساني “يراعي التنوع ويحافظ على التراث”. لكن خلف تلك الدعاية يقبع مشهد آخر:

– قرى أُفرغت من سكانها

– مقابر هُدمت

– مزارع جرى الاستيلاء عليها

– عشرات من أبناء الحويطات بين سجينٍ ومفقود

السلطات تصف هذه الإجراءات بأنها “تطوير”، لكن التطوير الحقيقي لا يبدأ بقتل السكان الأصليين ولا يُبنى على جثث المعارضين.

مشروع نيوم تحوّل إلى أكبر مشروع استيطاني داخلي في تاريخ السعودية الحديث. مساحة المشروع تتجاوز 26 ألف كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة دول كاملة، لكن لا مكان فيها لأبناء الأرض الأصليين. إنها مدينة بلا جذور، تُبنى على محو الذاكرة الجماعية لمجتمعٍ كامل.

تقارير منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والقسط والعفو الدولية وثّقت الانتهاكات بحق القبيلة، من الإعدامات الميدانية إلى الاعتقالات الجماعية والتعذيب في السجون.

في أغسطس الماضي، كشفت تقارير أن بعض المعتقلين من الحويطات نُقلوا إلى سجن ذهبان في ظروف قاسية، ومنع عنهم التواصل مع عائلاتهم.

كما أفادت شهادات بأن السلطات ما زالت تلاحق أقارب عبد الرحيم الحويطي، وتمنعهم من السفر أو حتى نشر أي تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي.

اقتصاد يُبنى على الخوف

ما يحدث في نيوم ليس مجرد “قضية حقوق إنسان”، بل جريمة اقتصادية وسياسية. النظام الذي فشل في تنويع الاقتصاد يسعى إلى خلق “مدينة نموذجية” تُستخدم لجذب المستثمرين، لكنه في الواقع يبني سوقًا للرعب.

كل شركة أجنبية تعمل في نيوم تعلم أن المشروع قائم على التهجير القسري، لكنها تلتزم الصمت مقابل العقود السخية.

من شركات المقاولات الأوروبية إلى شركات التكنولوجيا الأميركية، الكل شريك في الجريمة بالصمت أو التواطؤ.

حتى “التحول الأخضر” الذي يتباهى به ابن سلمان صار غطاءً لتبييض مشروعٍ ملوث بالانتهاكات.

لعنة نيوم من القتل إلى الأحكام المؤبدة

حين أطلقت السلطات الرصاص على عبد الرحيم الحويطي في منزله، ظنّت أن قتله سيُرهب الآخرين. لكنها فتحت جرحًا لن يندمل. فدمه صار رمزًا للرفض، وصورته تطارد كل مؤتمر وكل صفقة تتعلق بنيوم.

واليوم، الأحكام القاسية بحق أحمد ووالده وعمّه لا تحمل فقط رسالة قمع، بل اعترافًا ضمنيًا بأن المشروع لا يمكن أن يعيش إلا على الخوف والسجون.

في كل مرة يمدح فيها الإعلام الرسمي “إنجازات نيوم”، تذكّر عائلة الحويطي أن هذا الإنجاز بُني على جدران الزنازين.

العالم الذي يرفع شعارات “حقوق الإنسان” يشارك فعليًا في تحويل الحويطات إلى شعبٍ منفي داخل وطنه.

أحمد الحويطي وجه الوطن الذي أرادوه بلا ملامح

بعد خمس سنوات من اعتقاله، لا يزال أحمد خلف القضبان، بينما تُبنى على أرضه مدينةٌ لا مكان له فيها.

السلطة التي تصف نفسها بأنها تبني المستقبل، تبني في الحقيقة جدارًا من الخوف فوق رفات التاريخ.

نيوم ليست مشروعًا تنمويًا؛ إنها نقطة سوداء في تاريخ البشرية تُظهر كيف يمكن لنظام أن يقتل باسم “الابتكار” ويهجر باسم “التحول”.

لكن مهما امتدت الدعاية ومهما تلمّع الزجاج والحديد، سيبقى اسم أحمد الحويطي شاهدًا على الجريمة، وندبة في وجه “رؤية” تُباع للعالم على أنها أمل، وهي في حقيقتها سجن كبير مغطى بالأضواء.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية