في النموذج الذي يُدار به ملف “الترفيه والرياضة” في السعودية، لا تُعامل الأموال العامة باعتبارها موارد يجب تعظيم أثرها، بل باعتبارها وقودًا جاهزًا لإنتاج الضجيج. لا وجود لسؤال الجدوى، ولا لتقييم الأثر، ولا لأي تصور عن الاستدامة. ما يحكم القرار هو منطق واحد: ادفع أكثر، تصدّر أكثر، واصنع حدثًا أسرع، حتى لو كان فارغًا من أي مضمون رياضي أو اجتماعي.
بهذه العقلية، تحوّلت الرياضة من نشاط له بنية وقواعد وجمهور، إلى مسرح مؤقت يُستورد بالكامل، من اللعبة إلى اللاعب إلى التصفيق، ثم يُغلق الستار بعد انتهاء العرض، بلا أي التزام تجاه ما يبقى بعده.
في قلب هذا المشهد يقف تركي آل الشيخ، لا كمسؤول يدير قطاعًا، بل كواجهة لأسلوب إنفاق قائم على الاستعراض الشخصي، حيث تتحول الجوائز المالية إلى أداة تفاخر، وتُقدَّم الخسائر بوصفها “إنجازات غير مسبوقة”.
رياضات بلا جذور وجوائز بلا مبرر
الرياضة التي جرى الترويج لها مؤخرًا لا تمتلك أي حضور ثقافي أو جماهيري في السعودية أو محيطها. نشأت في بيئات غربية محددة، ارتبطت تاريخيًا بالحانات والموسيقى والكحول، ولا تملك أي مسار نمو طبيعي في المنطقة. ومع ذلك، جرى استيرادها بالكامل، ثم إغراقها بجوائز تصل إلى مئات آلاف الدولارات لحركات استعراضية لا تصنع بطولة ولا تبني جمهورًا.
الأخطر أن القواعد نفسها جرى تعديلها فقط لرفع قيمة الجائزة، لا لتحسين المنافسة. أي أن المال لم يُستخدم لتطوير اللعبة، بل لتضخيم المشهد إعلاميًا. هكذا يصبح “الرقم القياسي” هو الهدف، لا الرياضة نفسها.
في أي اقتصاد عقلاني، يُسأل: من المستفيد؟ ما العائد؟ ما الخطة؟
أما هنا، فالسؤال الوحيد هو: كيف يبدو المشهد على المنصات؟
ليف غولف: النموذج الذي يفضح كل شيء
هذا السلوك ليس استثناءً، بل امتداد مباشر لتجربة ليف غولف، التي تُعد المثال الأوضح على فشل الغسيل الرياضي حين ينفصل عن المنطق الاقتصادي. مليارات الدولارات ضُخّت، من دون نموذج ربحي واضح، ولا قاعدة جماهيرية حقيقية، ولا قدرة على الاستمرار.
النتيجة كانت متوقعة: اللاعبون تعاملوا مع الدوري بوصفه فرصة مالية مؤقتة، لا مشروعًا رياضيًا. بروكس كوبكا حصد ما يقارب 165 مليون دولار، ثم غادر بهدوء، عائدًا إلى دوري آخر أكثر استقرارًا ومصداقية. لم يخسر شيئًا، بينما بقي المشروع السعودي مثقلًا بالخسائر، بلا هوية ولا مستقبل.
هذا هو جوهر الفشل: المال السعودي لم يشترِ التزامًا، بل موّل انسحابات فاخرة.
الدوري السعودي: أرقام ضخمة بلا ولاء حقيقي
المشهد نفسه يتكرر في كرة القدم. الأرقام فلكية، العقود خيالية، لكن القناعة غائبة. اللاعبون لا يرون في الدوري السعودي مسارًا مهنيًا طويل الأمد، بل محطة مؤقتة تُغادر عند أول فرصة معقولة، حتى لو تطلب الأمر تخفيض الرواتب بشكل حاد.
حين يقبل لاعب عالمي بالتنازل عن الجزء الأكبر من دخله فقط لمغادرة السعودية، فهذا لا يُفسَّر إلا باعتراف صامت بأن البيئة الرياضية نفسها طاردة، وأن المال وحده لا يعوّض غياب التنافس الحقيقي والاستقرار الفني والسمعة الرياضية.
وهنا يسقط الوهم الكبير:
السعودية لم تبنِ دوريًا، بل أنشأت سوقًا مؤقتة للأجور.
إنفاق في القمة وضغط في القاعدة
كل ذلك يحدث بينما يواجه الاقتصاد السعودي ضغوطًا واضحة: بطالة، تضخم، اقتراض متزايد، وتراجع قدرة شرائية. المواطن يُطالَب بالتقشف، بينما تُفتح دفاتر الصرف بلا حدود في أنشطة لا تمس حياته ولا مستقبله.
هذا التناقض ليس تفصيلاً، بل يعكس فلسفة حكم ترى في المال العام وسيلة لإدارة الصورة الخارجية، لا أداة لتحقيق العدالة أو التنمية. وحين تُدار الدولة بهذه الطريقة، تتحول الرياضة من فرصة لبناء مجتمع صحي ومنافس، إلى واجهة لتبديد الموارد.
حين تُدار الدولة كعرض مؤقت
ما يجري في ملف الرياضة السعودية ليس انفتاحًا ولا نهضة، بل إدارة بلا رؤية، وإنفاق بلا محاسبة، واستعراض بلا جذور. المال يمكنه أن يصنع حدثًا ليوم واحد، لكنه عاجز عن خلق منظومة، أو شراء ولاء، أو بناء معنى.
الرياضة لا تُبنى بالشيكات وحدها، والدول لا تُدار بالعناوين المؤقتة. وما لم يُكبح هذا النمط من الصرف، فإن ما يُقدَّم اليوم بوصفه “إنجازًا تاريخيًا”، سيُسجَّل غدًا كأحد أكثر فصول الهدر فجاجة… حين اختلطت السلطة بالمال، وغاب أي سؤال عن لماذا، ولأجل من






