من يتأمل في المشهد السعودي اليوم يكتشف أن الدولة لم تعد تُدار وفق مفهوم المؤسسات الحديثة، بل صارت تُختزل في شخص واحد: محمد بن سلمان. أكثر من 34 منصبًا سياديًا وتنفيذيًا واستثماريًا متركزة في يد ولي العهد وحده، فيما يتوزع الباقي بين ثلاثة من رجاله المقرّبين. النتيجة: دولة رباعية لا مؤسسات لها، بل مسميات فارغة تُغطي على حقيقة حكم فردي مطلق.
مناصب فوق المناصب: ابن سلمان الرجل-الدولة
ولي العهد لا يكتفي بصفته السياسية الرسمية—ولي العهد ورئيس الوزراء—بل يضيف إلى ذلك رئاسة مجلس الشؤون السياسية والأمنية، ورئاسة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ورئاسة مجلس المخاطر الوطنية.
لكن الطامة الكبرى تكمن في تحكّمه بالاقتصاد والاستثمار:
رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة.
رئيس مجلس إدارة شركة نيوم.
رئيس مجلس إدارة البحر الأحمر الدولية.
رئيس مجلس إدارة روشن العقارية.
رئيس مجلس إدارة القدية للاستثمار.
رئيس مجلس إدارة السودة للتطوير.
رئيس المجلس التأسيسي لمشروع “أمالا”.
بهذا يصبح ابن سلمان الرئيس التنفيذي للاقتصاد، المطور العقاري الأول، والمستثمر الأكبر، في وقت يُفترض أن هذه المهام موزعة على وزارات وهيئات مستقلة.
السيطرة على الاستراتيجية الوطنية
القبضة لا تتوقف عند الاقتصاد. ابن سلمان يجلس على قمة أرامكو، الشركة النفطية الأضخم في العالم، عبر رئاسته للمجلس الأعلى. كما يسيطر على الصناعات العسكرية برئاسته للهيئة العامة للصناعات العسكرية، ويمسك بملف التكنولوجيا الاستراتيجية عبر المجلس الأعلى للفضاء.
حتى الجامعات والمؤسسات الخيرية لم تفلت: يرأس مؤسسة “مسك”، يشرف على “هيفولوشن”، ويسيطر على ملفات المحميات الطبيعية وصندوق الشهداء، إضافة إلى إشرافه المباشر على كلية الأمير محمد بن سلمان للإدارة وريادة الأعمال.
الخلاصة: السعودية اليوم تُدار من مكتب واحد، حيث تتجمع الملفات الأمنية، الاقتصادية، الاجتماعية، والتعليمية في يد شخص واحد.
الثلاثي المساند: شبكة احتكار متكاملة
ابن سلمان ليس وحده. هناك ثلاثة أسماء أخرى تكمل المشهد:
عبد العزيز بن سلمان: وزير الطاقة، يحتكر بدوره رئاسة هيئات تنظيم الكهرباء والطاقة الذرية، ويشرف على مجالس أمناء جامعات مرموقة مثل كاوست وجامعة البترول.
تركي آل الشيخ: الذراع الترفيهية للنظام. من هيئة الترفيه إلى الأندية والبطولات العالمية، يسيطر على ملف الرياضة والفن كأداة دعائية لتلميع صورة النظام.
ياسر الرميان: المحافظ النافذ لصندوق الاستثمارات العامة، يرأس في الوقت ذاته أرامكو، “معادن”، طيران الرياض، شركات الغولف، وحتى نادي نيوكاسل الإنجليزي.
النتيجة: دولة رباعية تختصر أكثر من خمسين منصبًا سياديًا واستثماريًا في أربعة أشخاص فقط.
غياب الدولة المؤسسية
هذا التركيز المفرط للسلطة يؤدي إلى آثار خطيرة:
1. غياب الفصل بين السلطات: الحاكم نفسه يضع السياسة، يراقب تنفيذها، ويُعلن نجاحها. لا وجود لرقابة مستقلة أو مساءلة حقيقية.
2. شلل المؤسسية: الوزارات والهيئات مجرد ديكور، بينما القرار الفعلي يُحسم في مكتب ولي العهد.
3. تضارب المصالح: كيف يمكن لرئيس صندوق استثماري أن يضع سياسات الدولة المالية وهو في الوقت نفسه يقود مشاريع عقارية وتجارية خاصة؟ النتيجة: الدولة تُدار كملكية شخصية.
4. هشاشة الاستقرار: ربط مصير الدولة بأربعة أشخاص فقط يجعل أي غياب أو تغيير فيهم خطرًا وجوديًا يهدد بانهيار متسلسل.
النظام يرفع شعار “رؤية 2030″، ويحدثنا عن الحوكمة و”جذب الاستثمارات”. لكن أي مستثمر أجنبي حين يرى أن أربعة أشخاص يحتكرون كل شيء، سيفهم أن بيئة الأعمال خاضعة للأمزجة الفردية لا للمؤسسات.
المفارقة أن ما يجري اليوم في السعودية ليس “إصلاحًا”، بل عودة إلى ما قبل الدولة الحديثة: حيث الحاكم هو الدولة، يملك السلطة والثروة، ويملي القرارات دون شراكة أو رقابة.
المخاطر المستقبلية
احتكار السلطة قد يُظهر قوة آنية، لكنه في الواقع يزرع بذور الانهيار:
فقدان الشرعية الداخلية: المواطن يرى أن الدولة لم تعد تُدار لصالحه، بل لصالح شبكة ضيقة من الأفراد.
العزلة الدولية: استمرار القمع وتضارب المصالح يفاقم صورة السعودية كدولة استبداد فردي.
انهيار المؤسسات: كلما طالت فترة احتكار المناصب، تآكلت قدرة الوزارات والهيئات على إدارة نفسها، مما يجعل أي انتقال في الحكم أزمة وجودية.
من الدولة الحديثة إلى “شركة خاصة”
السعودية اليوم ليست دولة مؤسسات، بل شركة خاصة بأربعة مدراء، على رأسهم محمد بن سلمان. يوزّع المناصب كما لو كانت أسهماً، ويحتكر القرار كما لو كان عقد ملكية.
هذا النموذج قد يخدم غروره اللحظي، لكنه يُعرّي الدولة أمام المستقبل: لا مؤسسات، لا رقابة، لا توازن سلطات. فقط فرد يحكم ويمسك بكل الخيوط، وثلاثة شركاء يتقاسمون معه الغنيمة.
إنها ليست دولة تبني المستقبل، بل نموذج بدائي في ثوب عصري، يبيع للعالم صورة “التحديث”، بينما يزرع داخل البلاد بذور أزمات لا مفر منها.






