لم يعد المشهد الإقليمي الذي تتحرك فيه السعودية يعكس صورة دولة وازنة تُدير تحالفاتها بثقة وتوازن، بل بات أقرب إلى سلوك متقلب لدولة تفتح جبهات سياسية وأمنية مع محيطها، حتى مع أطراف كانت تُعدّ حلفاء داعمين لا خصومًا. التصعيد الأخير في الخطاب والسلوك السعودي تجاه شركاء إقليميين، في توقيت تعاني فيه المملكة من ضغوط اقتصادية، وأزمات سياسية داخلية، وإخفاقات دبلوماسية متراكمة، يكشف خللًا عميقًا في إدارة التحالفات، لا قوة في إعادة التموضع.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع: اقتصاد يزداد اعتمادًا على الاقتراض، مشروع نيوم القائم على التهجير القسري والانفتاح المفروض، سجل حقوقي مثقل بالاعتقالات والإعدامات، وتجربة دبلوماسية حديثة تفتقر إلى الخبرة والاتزان. في هذا المناخ، تبدو السعودية كدولة تُخاصم أكثر مما تُقنع، وتُصعّد أكثر مما تُدير.
من دولة محورية إلى طرف متوتر: حين تُستبدل الحكمة بالاندفاع
لسنوات طويلة، شكّلت السعودية ركيزة للاستقرار النسبي في الخليج، مستندة إلى ثقلها الجغرافي والديني والاقتصادي. غير أن هذا الدور بدأ يتآكل مع انتقال مركز القرار إلى نمط شخصي مركزي، يتعامل مع السياسة الخارجية بوصفها امتدادًا للصراع الداخلي على الشرعية لا كأداة توازن إقليمي.
فتح الخلافات مع أطراف كانت تمثل عمقًا سياسيًا وأمنيًا للسعودية لا يعكس قوة، بل قلقًا. فالدولة الواثقة من موقعها لا تحتاج إلى اختبار ولاءات حلفائها عبر الضغط العلني أو التصعيد الإعلامي، ولا تُحوّل الخلافات القابلة للإدارة إلى أزمات مفتوحة. ما يحدث اليوم يوحي بأن الرياض باتت أقل قدرة على استيعاب التباينات، وأكثر ميلًا لشيطنة أي اختلاف بوصفه تهديدًا.
هذا السلوك يعكس تجربة دبلوماسية حديثة العهد، لم تتشكل عبر تراكم مؤسساتي أو تقاليد تفاوضية راسخة، بل عبر قرارات سريعة، وردود فعل حادة، ومحاولات فرض وقائع بدل بنائها بالتدرج
إخفاق داخلي ينعكس خارجًا: نيوم، القمع، وغياب الشرعية
لا يمكن فصل التوتر في السياسة الخارجية السعودية عن الأزمة الداخلية العميقة. مشروع نيوم، الذي يُقدَّم بوصفه رمز المستقبل، بُني على تهجير قسري، وتفكيك مجتمعات محلية، وإسكات أي اعتراض بالقوة. في الوقت نفسه، جرى تسويق “الانفتاح” لا كخيار مجتمعي، بل كسياسة فوقية رافقتها حملة اعتقالات واسعة طالت دعاة وعلماء ومثقفين لمجرد التعبير عن تحفظ أخلاقي أو ديني.
هذا التناقض بين الانفتاح القسري والقمع السياسي أنتج فجوة شرعية داخلية، تُدار عبر الأمن لا عبر الرضا. وعندما تضعف الشرعية في الداخل، تميل الدول إلى تصدير أزماتها للخارج، أو إلى افتعال صراعات تُعيد ترتيب الاصطفافات حول القيادة.
لكن المشكلة أن هذا الأسلوب لا يصنع احترامًا، بل يُراكم الشكوك. فالحلفاء لا يطمئنون إلى دولة تُغيّر قواعد اللعبة باستمرار، وتتعامل مع التحالفات بوصفها أدوات ضغط لا شراكات متبادلة.
اقتصاد هش وتحالفات مُكلِفة: حين تُفتح الجبهات في أسوأ توقيت
يأتي هذا السلوك التصعيدي في لحظة اقتصادية دقيقة. السعودية تواجه عجزًا متكررًا، وتوسعًا في الدين العام، وتباطؤًا في النمو، بينما تُنفق مليارات على مشاريع ترفيهية وصفقات رياضية واستعراضية لا تعالج جوهر الأزمة. في هذا السياق، يصبح فتح صراعات سياسية مع حلفاء داعمين مخاطرة مضاعفة، لأنها تُفقد المملكة ما تبقى من هوامش أمان إقليمي.
الدول التي تمر بمرحلة انتقال اقتصادي حساسة تحتاج إلى بيئة مستقرة، وتحالفات موثوقة، وصورة دولة “عاقلة” يمكن الاستثمار فيها. لكن السلوك الحالي يبعث برسالة معاكسة: دولة متوترة، سريعة الغضب، تفتقر إلى الاتساق، وتُدير الخلافات بعقلية أمنية لا سياسية.
وهنا يكمن جوهر الإخفاق: ليس في وجود الخلافات، بل في طريقة إدارتها، وفي اختيار توقيت التصعيد، وفي تجاهل الكلفة طويلة المدى على موقع السعودية الإقليمي.
حين تتحول القوة إلى عبء
ما تعيشه السعودية اليوم ليس أزمة تحالف عابرة، بل نتيجة مسار كامل من القرارات التي راكمت التوتر بدل الاستقرار. دولة كانت تُعدّ “عاقلة” في محيطها، باتت تُخاصم حلفاءها، وتُراكم الإخفاقات، وتفتح جبهات سياسية في لحظة هي الأضعف اقتصاديًا والأكثر هشاشة داخليًا.
القوة لا تُقاس بارتفاع الصوت ولا بتعدد الخصومات، بل بالقدرة على الاحتواء، وبناء التوافق، وإدارة الخلاف دون تدمير الأسس المشتركة. وفي غياب هذه القدرة، تتحول القوة إلى عبء، والتحالفات إلى ألغام، والدولة إلى طرف قَلِق يُكثِر من الصدام لأنه يفتقر إلى الاستقرار. السعودية اليوم لا تحتاج إلى أعداء جدد، بل إلى مراجعة عميقة لمسارها، قبل أن تجد نفسها معزولة سياسيًا، مثقلة اقتصاديًا، ومنزوعة الثقة في محيط لم يعد يحتمل مزيدًا من الاندفاع غير المحسوب






