على مدى سنوات، اعتمد النظام السعودي على المال وحده لشراء الخبرات العالمية واستيراد المهارات التي يفتقر إليها في الداخل، مُعوّضًا الفقر المهاري في السوق المحلي بعروض مالية كانت تبدو، حتى وقت قريب، بلا سقف. كانت الرواتب الضخمة هي السلاح الأول للنظام في معركته من أجل إقناع العالم بأن “المشاريع العملاقة” التي أعلن عنها ليست مجرد خيال صحراوي، وأن “الرؤية” ليست مجرّد شعارات على منصات المؤتمرات. لكن مع بداية عام 2024 وما بعده، بدأت الحقيقة الصلبة تتضح: المال الذي كان يُستخدم لشراء الكفاءات يتبخر، والرواتب السخية التي كانت تُغري أفضل الخبراء العالميين تتقلص بوتيرة لا تخطئها العين.
تقرير رويترز الصادر مؤخرًا لم يكن مجرد إشارة اقتصادية، بل ضربة مباشرة للصورة التي حاول النظام السعودي بناءها خلال السنوات الماضية. فحين تؤكد وكالة عالمية أن الشركات في المملكة بدأت تخفض علاوات الرواتب التي طالما كانت “الطعم” الذي اصطاد به النظام المهارات الدولية، فذلك يعني شيئًا واحدًا: فقدت السعودية قدرتها على تمويل أوهامها. الأموال تتقلص، المشاريع تتعثر، الميزانية تتآكل، والصندوق السيادي يبتلع نفسه — ولم يعد النظام قادرًا حتى على تسديد تكلفة الخبراء الذين بُنيت عليهم أحلامه.
“انهيار العلاوات وإشارات الإفلاس داخل المشاريع العملاقة”
وفقًا لرويترز، بدأت الشركات السعودية — وخاصة المرتبطة بالمشاريع العملاقة مثل نيوم والبحر الأحمر وQiddiya — بتقليص علاوات الرواتب الضخمة التي كانت تُمنح لجذب المهارات الأجنبية. هذه العلاوات لم تكن مجرد تفاصيل مالية، بل كانت المحرّك الأساسي الذي سمح للنظام بإقناع الآلاف من مديري المشاريع والمهندسين العالميين بالانتقال إلى بيئة عمل مضطربة، غير مستقرة، وغير قابلة للتنبؤ.
أحد مسؤولي شركات التوظيف في دبي أكّد للوكالة أن مدير مشروع يحصل في الإمارات على 60 ألف دولار سنويًا كان يمكنه — قبل سنوات قليلة فقط — أن يجد عرضًا سعوديًا يصل إلى 100 ألف دولار، أي بزيادة تفوق 60%. أما اليوم، تقول شركة كوبر فيتش إن الزيادة في السعودية تقلصت إلى 5% – 8% فقط، أي إلى مستوى لم يعد يبرّر الانتقال إلى المملكة، ولا تحمّل غياب الأمان الوظيفي، ولا فوضى إدارة المشاريع، ولا بيئة العمل المتقلبة التي تشتهر بها المشاريع الضخمة.
هذا الانخفاض ليس تفصيلاً، بل هو مؤشر انهيار. فالرواتب في السعودية لم تكن يومًا تعبيرًا عن الكفاءة المحلية، بل عن محاولة شراء الزمن لتعويض غياب الخبرات. فإذا توقف المال، سيتوقف كل شيء — لأن النظام لم يستثمر في الإنسان المحلي، بل اكتفى باستيراد مهارات بثمن مرتفع. الآن، حين لم يعد قادرًا على الدفع، يتكشف الواقع: الهيكل بلا أعمدة.
“سوق عمل تُفرّغ وكفاءات تغادر المملكة بصمت”
ما لم تقله رويترز بوضوح، لكنه ملموس في السوق، هو أن تقليص العلاوات يعني شيئًا آخر أكثر خطورة: الكفاءات الأجنبية بدأت بالمغادرة. فالمهندس الذي يأتي للعمل في مشروع ضخم مثل نيوم لا يأتي لأنه يؤمن به، بل لأنه كان يتقاضى ضعف راتبه في الإمارات أو أوروبا. اليوم، حين أصبحت الزيادة لا تتجاوز 5% أو 8%، يفقد المشروع جاذبيته بالكامل.
المؤسسات العالمية، خاصة في قطاع الهندسة والبناء، تعرف أن السعودية مشروع محفوف بالمخاطر:
بيئة عمل يُطرد منها الموظف بدون سابق إنذار؛ ضغط نفسي هائل؛ تغيّر مستمر في الخطط؛ غياب الشفافية؛ تعثرات في الدفع؛ مشاريع تُغيّر حجمها ومسارها كل ثلاثة أشهر بأوامر فوقية.
كانت الرواتب الكبيرة هي “المسكّن” الذي يسمح للخبراء بابتلاع هذه الفوضى. الآن، حين توقف المسكّن… ظهرت الأعراض الحقيقية: مغادرة جماعية صامتة. مديري مشاريع في دبي أكدوا أن المواهب لم تعد تعتبر الانتقال للسعودية “فرصة ذهبية”، بل “مقامرة مالية”، خصوصًا بعد اتضاح أن العديد من الشركات السعودية تواجه تأخيرات في صرف الرواتب، وأن بعضها يلجأ إلى تسريحات غير قانونية دون تعويض حقيقي.
“لماذا انهارت القدرة على الدفع؟ من أين بدأ النزيف؟”
يأتي هذا الانهيار في الرواتب في لحظة تتراكم فيها مؤشرات أزمة مالية حادة داخل المملكة:
عجزٌ قياسي في الموازنة يتسع عامًا بعد عام؛
اقتراض خارجي متصاعد جعل الرياض تتحول من دولة مُصدّرة لرأس المال إلى مُقترض صافي؛
سعر تعادل لميزان المدفوعات يصل إلى 90–100 دولار للبرميل وفق خبراء الاقتصاد في مجلس العلاقات الخارجية؛
صندوق استثمارات يعاني نقصًا في السيولة كما كشفت نيويورك تايمز؛
مشاريع عملاقة تبتلع الأموال دون مردود؛
وانخفاض مرعب في الاحتياطيات الأجنبية.
في ظل هذه الظروف، يصبح تقليص الرواتب ليس خيارًا إداريًا، بل ضرورة قسرية فرضتها الأزمة المالية التي يحاول النظام التغطية عليها بأي طريقة. النظام الذي بنى “رؤية 2030” على التدفق الهائل للمهارات الأجنبية، لم يضع يومًا خطة لتأهيل السعوديين ليحلّوا محل هذه الكفاءات. لذا، حين توقف قدرته على الدفع، بدأت المشاريع تفقد أساسها البشري نفسه.
“حين تُدار الدول بالعقل لا بالمزاج: لماذا نجحت الإمارات في استقطاب العقول بينما خسرها النظام السعودي؟”
وعلى النقيض تمامًا من المشهد المرتبك في الرياض، تظهر الإمارات كواحدة من أهم النماذج الإقليمية التي استطاعت — بهدوء تام ومنهجية مستقرة — بناء سوق عمل جاذب للكفاءات العالمية ليس بالمال وحده، بل بالمنظومة الحاكمة التي تُشبه الدول حديثة الإدارة، لا الأنظمة التي تُدار بقرارات فوقية متقلبة. فبينما يتعامل النظام السعودي مع الكفاءات الأجنبية بمنطق “الدفع مقابل الاستقدام”، تبني الإمارات علاقتها بالخبرات على مبدأ مختلف تمامًا، مبدأ يجعل المهنيين يشعرون بأنهم جزء من اقتصاد حقيقي، مؤسساتي، قابل للتطور، لا مجرد عمال مؤقتين ضمن حملة علاقات عامة لمشاريع عملاقة فقدت تعريفها قبل أن تكتمل.
الإمارات — تحديدًا دبي وأبوظبي — خلقت بيئة عمل تُشبه المدن العالمية الكبرى، حيث القوانين واضحة، والسياسات مستقرة، والعقود تُحترم، والنظام التشريعي لا يتغير بقرار مفاجئ، ولا تُطرد شركات كبرى أو مديرون تنفيذيون بين ليلة وضحاها، ولا تُقلب المشاريع رأسًا على عقب كل ثلاثة أشهر لإرضاء نزوات سياسية. وفي الوقت الذي ينشغل فيه النظام السعودي بإعادة رسم “الرؤية” كل عامين، تبني الإمارات تراكمًا اقتصاديًا حقيقيًا بدأ منذ مطلع الألفية، وهو تراكم جعلها مركزًا ماليًا، ولوجستيًا، وسياحيًا، وتقنيًا، لا مجرد موقع إنشائي ضخم يحتاج إلى آلاف الكفاءات لتجميل اسمه.
ولأن البيئة المستقرة هي العملة النادرة في المنطقة، اختارت العقول الأجنبية الإمارات حتى عندما كانت الرواتب في السعودية أعلى بكثير، لأن المهندس أو المدير التنفيذي لا يبحث عن رقم في العقد فقط، بل عن نظام يضمن حقوقه، ومسارًا وظيفيًا يمكن التنبؤ به، ومجتمعًا منفتحًا لا يُجرّم تفاصيل الحياة اليومية، وقيادة لا تُغير مصير الموظفين بقرار غير مدروس. وفي الوقت الذي بدأت فيه الشركات السعودية تُقلّص الرواتب والعلاوات وتُجمّد العقود، كانت الإمارات توسّع برامج الإقامة الذهبية والخضراء، وتمنح مسارات استقرار طويلة الأمد للعقول المتخصصة، وتؤكد مرة بعد مرة أن رأس المال البشري هو أساس المنافسة، لا عنصرًا ثانويًا يمكن الاستغناء عنه.
هذا الفرق لم يعد مجرد مقارنة اقتصادية، بل أصبح اختلافًا في فلسفة الحكم نفسها:
الإمارات تبني دولة تستند إلى استقرار وتخطيط وتدرج،
بينما يعيش النظام السعودي تحت ظلال قرارات سريعة، مفاجئة، غير قابلة للتنبؤ، تُدار من أعلى الهرم بلا مؤسسات وسيطة قادرة على خلق بيئة متزنة للعمل.
وهكذا، بينما تتساقط الرواتب في السعودية ويغادر الخبراء بصمت، تستمر الإمارات في استقبال الكفاءات وتثبيتها، ليس لأنها تدفع أكثر — بل لأنها تقدم بيئة تُشبه الدول الطبيعية، حيث لا يعمل الموظف في حضرة “مزاج سياسي”، بل في إطار دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تخطط، وكيف تستفيد من العقول بدل أن تطردها أو تستنزفها
“حين لا يعود المال كافيًا يسقط الوهم”
ما كشفت عنه رويترز ليس مجرد تغيير في سياسات التوظيف، بل كشف عن المفصل الحاسم في انهيار رؤية ابن سلمان: إذا لم يعد النظام قادرًا على شراء العقول الأجنبية، فإن المشاريع العملاقة — من نيوم إلى البحر الأحمر إلى القطاعات الصناعية — ستفقد عمودها الفقري، لأن النظام لم يملك يومًا مهارات محلية كافية، ولم يستثمر في الإنسان، بل في الإسمنت والضجيج الدعائي.
لقد حاول النظام أن يصنع دولة جديدة بالمال وحده، لكنه يكتشف اليوم أن المال نفسه يتسرب من يده، وأن الرؤية بحاجة إلى اقتصاد حقيقي لا إلى عروض توظيف ضخمة، وأن المشاريع بحاجة إلى خبرات حقيقية لا إلى مسرحيات إعلامية.
النظام السعودي بنى أحلامه على القدرة على الدفع. واليوم حين يتوقف الدفع، تتساقط الأحلام.
والدولة التي لا تستطيع الاحتفاظ بالخبراء، لا تستطيع بناء مستقبل — مهما قالت، ومهما وعدت.






