تسريبات ستراتفور الاستخباراتية ليست مجرد تحليل سياسي من مركز دراسات، بل تقرير سريري عن جسد دولة تبدو من الخارج متماسكة، لكنها من الداخل تعاني من هشاشة خطيرة تهدد استقرارها على المدى البعيد. المعلومات التي نشرها الموقع الأميركي تكشف أن نظام الاقتصاد السياسي الذي يدير به محمد بن سلمان المملكة لا يقوم على قواعد صلبة، بل على رمال نفطية لا تحتمل صدمة واحدة. النظام الذي يروّج لنفسه كقائد “ثورة اقتصادية” جديدة، يعتمد في الواقع على نموذج قديم يقوم على شراء الولاءات عبر الإعانات والإنفاق الحكومي، دون بناء منظومة اقتصادية قادرة على الصمود في وجه الأزمات. وبحسب ستراتفور، فإن هذا النموذج بلغ حدّه الأقصى، وأي هزة — حرب، أزمة أسعار، ركود عالمي، أو حتى تغيير أيديولوجي بسيط — قد تفجر الداخل السعودي.
التحليل يذهب أبعد من ذلك. ستراتفور يؤكد أن حقبة محمد بن سلمان ليست حقبة إصلاح، بل حقبة تركيز سلطة وقمع معمم، تُبنى فيها رؤية 2030 على طموحات بلا مؤشرات، وشعارات بلا محتوى، واستعراضات بلا بنية سياسية. المملكة، وفق التقرير، لم تعد تسير في اتجاه الدولة الحديثة، بل في اتجاه “دولة الرجل الواحد”، دولة يتم تفريغها من كل أشكال المشاركة السياسية والحوكمة، ليحل محلها نظام أمني مغلق يزداد هشاشة كلما ازداد بطشه.
والأخطر: ستراتفور يطرح سؤالًا استراتيجيًا يكشف عمق التصدع. هل يستطيع النظام السعودي تحمّل مواجهة عسكرية طويلة الأمد مع منافس مثل إيران؟ الجواب الذي يقدمه التقرير واضح وصادم: لا. المملكة لا تمتلك بنية سياسية أو اجتماعية أو نفسية تسمح لها بخوض حرب طويلة، لأن النظام السياسي لم يربِّ شعبه يومًا على أي شكل من أشكال الانتماء الوطني أو التضحية أو “الأخلاق القومية” التي تجعل الأمم تقاتل عند الحاجة. السلطة اشترت الولاء لعقود، لكنها لم تبنِ وطنًا.
هذا الثلاثي — اقتصاد هش، قمع بلا حدود، وعجز عن الصمود أمام حرب حقيقية — يرسم صورة نظام يقترب من لحظة الحقيقة.
“اقتصاد سياسي قائم على شراء الولاء ومرشح للانهيار عند أول صدمة”
ستراتفور يشرح بوضوح أن النظام السعودي نجح لسنوات في تفادي الضرائب المباشرة على المواطنين، لكنه لم ينجح في بناء اقتصاد مستقل عن النفط أو قادر على حماية مستويات المعيشة. النموذج الاقتصادي في السعودية، كما تصف الدراسة، يقوم على مقايضة بسيطة: الدولة تدفع الإعانات، والمواطن يلتزم الصمت، والكل يمشي فوق خط أحمر واحد: لا سياسة، ولا مساءلة، ولا مشاركة.
المشكلة أن هذا النموذج أصبح غير قابل للاستمرار. التقرير يلفت إلى ثلاثة سيناريوهات قد تؤدي إلى عدم استقرار داخلي كبير: انخفاض عائدات النفط، عدم قدرة الدولة على مواكبة نمط الحياة الذي اعتاد عليه المواطن، وصدمة جيوسياسية كبرى. ولو نظرنا إلى العقد الأخير، نجد أن هذه السيناريوهات ليست احتمالات مستقبلية، بل أحداث تتكرر. انخفاض أسعار النفط وقع أكثر من مرة، وتراجع الإعانات حدث بالفعل بعد 2015، والصدمة الجيوسياسية تحققت في مواجهة هجمات إيران عام 2019.
النظام السعودي في عهد بن سلمان يقترض بشكل غير مسبوق، ويستهلك الاحتياطي بدلاً من أن يبني اقتصادًا إنتاجيًا، ويضخ مليارات في مشاريع استعراضية مثل نيوم، بينما يتراجع الاستثمار الأجنبي، وتتضخم البطالة، وتنكمش الطبقة الوسطى. ستراتفور يحذر من أن هذا المسار لا يمكن أن يصمد أمام دورة اقتصادية سلبية واحدة. المملكة اليوم ليست دولة تمتلك اقتصادًا متنوعًا، بل دولة تعتمد على سلعة واحدة، وتواجه عالمًا ينتقل تدريجيًا بعيدًا عن النفط.
النظام، كما يقول التقرير، نجح في تأجيل الأزمة، لكنه لم يعالج جذورها. وكل تأجيل يزيد تكلفة الانفجار القادم.
“حقبة بن سلمان دولة تُفرغ من السياسة وتُحكم بالقبضة لا بالمؤسسات”
ستراتفور يصف رؤية 2030 بأنها رؤية ذات “أهداف قابلة للقياس” في جوانب اقتصادية بحتة، لكنها “طموحية بالكامل” وغير قابلة للقياس في الجانب الاجتماعي والسياسي. والأهم: الرؤية لا تحتوي أي هدف سياسي واحد. لا إصلاح سياسي، لا تمكين للمجتمع، لا فصل للسلطات، لا قضاء مستقل، لا صحافة، لا انتخابات، لا حوكمة تشاركية. رؤية بلا سياسة، بلا حكم رشيد، بلا إصلاح مؤسسي. وهذا في حد ذاته، وفق التقرير، تناقض جوهري مع تجارب إصلاحية سابقة مثل مرحلة الملك عبدالله، التي استخدمت الانتخابات البلدية على الأقل كأداة لتهدئة الضغط الداخلي.
لكن نظام محمد بن سلمان اختار الاتجاه المعاكس تمامًا. قمع شامل، وملاحقة المعارضين، وتجفيف الفضاء العام، واعتقال الأمراء ورجال الأعمال في حملة الريتز عام 2017، واعتقالات واسعة في الداخل والخارج شملت مدافعين عن حقوق الإنسان، وأكاديميين، وشيوخ قبائل، وحتى مجرد أشخاص غردوا بآراء لا تتوافق مع الخط الرسمي.
ستراتفور يقرأ هذا المسار بوصفه تحوّلًا نحو دولة أمنية مغلقة، حيث يتم إحكام السيطرة على كل مفصل من مفاصل الدولة، من القضاء إلى الإعلام إلى الاقتصاد. حقبة بن سلمان ليست إصلاحًا، بل استيلاءً. ليست دولة جديدة، بل قبضة جديدة. ليست تحديثًا، بل إعادة تشكيل للسلطة لم يسبق لها مثيل منذ تأسيس الدولة.
“نظام لا يقاتل وجيش بلا روح وطنية: السعودية غير قادرة على خوض حرب طويلة ضد إيران”
الجزء الأكثر خطورة في تحليل ستراتفور هو تشخيصه للأداء العسكري والسياسي للسعودية في مواجهاتها الأخيرة. التدخل في اليمن عام 2016 كشف أن النظام عاجز عن حشد تأييد شعبي حقيقي لحرب طويلة. وفي 2019، حين تعرضت منشآت أرامكو لهجمات إيرانية، وقف النظام في حالة ذهول. لا تعبئة حقيقية، لا خطاب تعبوي، لا قدرة على تحمل تكاليف المواجهة.
السبب، كما يشرحه ستراتفور، ليس ضعف الجيش تقنيًا — فالسعودية من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم — بل لأن الاقتصاد السياسي السعودي لم يربِّ في شعبه أي شعور قومي. دولة تقوم على شراء الولاء عبر الإعانات لا تستطيع إقناع مواطنيها بالتضحية. دولة بلا مؤسسات وبلا مشاركة سياسية لا تستطيع أن تطلب من الناس “القتال من أجل الوطن”. والدولة الحديثة لا تُبنى بالسلاح المستورد، بل بإجماع داخلي لا يمكن تصنيعُه عبر الدعاية.
هذه الخلاصة في تقرير ستراتفور تكفي وحدها لنسف الخطاب الرسمي الذي يروّج لصورة السعودية كقوة إقليمية قادرة على موازنة إيران. القوة العسكرية ليست أجهزة ولا طائرات. هي بنية سياسية واجتماعية. وهي ما يفتقر إليه نظام بن سلمان.
“ستراتفور يقول ما لا يجرؤ السعوديون على قوله: اقتصاد هش، حكم فردي، وجيش بلا روح ونظام بن سلمان يسير نحو العاصفة”
التحليل الاستخباراتي الأميركي لا يترك مجالًا للمناورة. السعودية في عهد محمد بن سلمان لا تتجه نحو الإصلاح، بل نحو التآكل الداخلي. النظام يقوم على اقتصاد بلا أمان، وحكم بلا مؤسسات، وجيش بلا عقيدة، وشعب بلا مشاركة سياسية. وكل عنصر من هذه العناصر يشكّل هشاشة قاتلة. مجتمعةً، تصبح وصفة لانهيار محتمل عند أول صدمة كبيرة.
مهما روّج النظام لرؤية 2030، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن بناء دولة قوية على إنفاق ريعي، ولا بناء شرعية على القمع، ولا صناعة قوة على شراء أسلحة بلا مشروع وطني. المستقبل ليس في يد النظام كما يدّعي، بل في يد الظروف الدولية التي لا يملك السيطرة عليها، وأسعار النفط التي لا يستطيع التحكم بها، وصدمات الجغرافيا السياسية التي قد تفتح الباب على ما هو أسوأ.
محمد بن سلمان يركّز السلطة أكثر من أي وقت مضى، لكنه لا يركز الاستقرار.
يبني القصور، لكنه لا يبني المؤسسات.
يرفع الشعارات، لكنه لا يبني دولة.
وستراتفور يقولها بصراحة: الاستقرار السعودي ليس مضمونًا ونظام بن سلمان يقود المملكة نحو مستقبل محفوف بالخطر.






