سلامٌ على الورق وقصفٌ على الحلفاء: هزيمة النظام السعودي في اليمن كما تُسجّلها الطائرات

سلامٌ على الورق وقصفٌ على الحلفاء: هزيمة النظام السعودي في اليمن كما تُسجّلها الطائرات

سلامٌ على الورق وقصفٌ على الحلفاء: هزيمة النظام السعودي في اليمن كما تُسجّلها الطائرات
سلامٌ على الورق وقصفٌ على الحلفاء: هزيمة النظام السعودي في اليمن كما تُسجّلها الطائرات

اللقطة التي تُجبرك على الضحك المرّ جاءت في التوقيت الأسوأ للنظام السعودي: أبوظبي تُصدر بيانًا دبلوماسيًا ناعمًا “يرحّب بجهود السعودية لإحلال السلام في اليمن”، وفي الوقت نفسه تقريبًا تُتداول روايات من داخل حضرموت عن غارة سعودية استهدفت قوات “النخبة الحضرمية” المرتبطة بالمعسكر الانفصالي المدعوم إماراتيًا—أي أن “السلام” الذي تتغنى به الرياض يخرج من الباب ببيانٍ منمّق، ثم يعود من النافذة على هيئة صواريخ تُطلق فوق رؤوس شركاء الخندق ذاته. هذا ليس سوء تنسيق عابرًا ولا “حادثًا ميدانيًا”، بل مشهد مكتمل يفضح النهاية الحقيقية لمغامرة اليمن: نظامٌ ادّعى قيادة التحالف، ثم انتهى إلى قصف حلفائه لأن الخريطة على الأرض لم تعد ملكه، ولا حتى قابلة للإدارة من غرفة عملياته.

الضربة التي كشفت الكذبة: “جهود سلام” تترافق مع قصفٍ لحليفٍ مفترض

خلال الساعات الأخيرة، تكاثفت التقارير التي تُظهر اتساع الشق داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بعدما اتهم المجلس الانتقالي الجنوبي السعودية بتنفيذ ضربات جوية ضد قواته في حضرموت، عقب تحذيرات سعودية للانتقالي بالانسحاب من مناطق سيطر عليها في ديسمبر 2025؛ السعودية لم تؤكد رسميًا الضربات، لكن الاتهام خرج من الطرف الذي يفترض أنه “حليف” ضمن التحالف ذاته، لا من الحوثيين. 

المفارقة القاتلة أن المشهد لا يقدّم حربًا ضد خصم واحد، بل حربًا داخل الحرب: الانتقالي يرفض طلب الرياض بالانسحاب من حضرموت والمهرة ويقدّم تبريرًا “أمنيًا” يتحدث عن قطع الإمدادات عن الحوثيين، ثم تنزلق الأمور إلى كمائن وخسائر بشرية، ثم تأتي “الضربات التحذيرية” وفق روايات متعددة، وكأن الرياض باتت تُدير اليمن بمنطق الإنذار المتأخر: اخرجوا من المناطق التي لم تعد تحت سيطرتنا، وإلا سنستخدم السلاح ضدكم… ثم نعود لنطلب من العالم تصديق خطاب “خفض التصعيد”. 

هنا تظهر حقيقة “الهزيمة”: ليس شرطًا أن تُسقطك صنعاء لتُهزم؛ يكفي أن يُسقطك حليفك الميداني ويحوّل هيبتك إلى عبء، وأن تصبح وحدتك المعلنة هي المشكلة التي يرفضها اللاعبون الذين صنعتموهم بأموالكم وسلاحكم، وأن تتوزع مناطق الجنوب بين فصائل تتلقى دعمًا متقاطعًا من الرياض وأبوظبي ثم تتصارع على الغنائم تحت يافطة “مكافحة الحوثي”، فيتحول مشروع النظام السعودي من “استعادة دولة” إلى محاولة متأخرة لترميم واجهة تحالف يتداعى.

الإمارات تلعب بكرامة السعودية: بيانٌ رقيق وواقعٌ يصفع الرياض على الأرض

الطابع الإماراتي في هذه الحلقة ليس عسكريًا فقط، بل نفسي وسياسي: أبوظبي تستطيع أن تقول الشيء ونقيضه من دون أن تدفع الثمن الذي تدفعه الرياض، لأن أدواتها على الأرض أكثر انضباطًا مع مصالحها، ولأنها صممت نفوذها في الجنوب على هيئة شبكات محلية تعمل كأذرع طويلة لا كجنود تابعين لقرار سعودي. لذلك جاء “الترحيب الإماراتي بجهود السعودية” كرسالة مهذبة تُلقى للكاميرات، ثم يُترك الواقع ليقول كلمته: القوى المدعومة إماراتيًا توسع حضورها وتفرض شروطها، والرياض تُستدرج إلى موقع “الشرطي المرتبك” الذي يهدد ثم يقصف ثم يتراجع إلى لغة الحوار. 

حتى الروايات الإخبارية التي تحدثت عن الغارات تعاملت معها كإشارة إلى توتر داخل التحالف السعودي–الإماراتي، لا كجزء من “حرب على الحوثيين”، وهذا وحده كافٍ لتعرية فشل الرياض في الحفاظ على جبهة واحدة داخل المساحة التي ادّعت أنها “محررة” أو تحت النفوذ. 

المهين هنا أن النظام السعودي لا يبدو صاحب قرار في اليمن بقدر ما يبدو ممولًا يتلقى الفواتير: يدفع كلفة الحرب منذ سنوات، ثم يجد نفسه مضطرًا لإدارة خصومة داخل معسكره لأن الحليف الإماراتي بنى واقعًا لا يحتاج موافقة الرياض اليومية، وحين تضيق المساحات أمام السعودية ترفع صوت “السلام” بوصفه مخرجًا… ثم تُظهر الطائرات أن السلام مجرد ديكور فوق مأزقٍ يتسع.

حلفاء بلا مظلة: حين يكتشف الوكلاء أن الرياض لا تحمي ولا تحسم

النتيجة الأقسى لا تقع على صورة الرياض وحدها، بل على كل من “اتسند على الحيطة المايلة” كما قلت: الفصائل التي راهنت على مظلة سعودية صلبة اكتشفت أن المظلة تُفتح عند التصريحات وتُغلق عند الاختبار، وأن السعودية قادرة على إصدار بيانات انسحاب وتهدئة، لكنها عاجزة عن فرض انسحاب فعلي بلا صدام، وعاجزة عن منع تمدد قوى محلية مدعومة إماراتيًا داخل الجغرافيا ذاتها التي تعتبرها الرياض جزءًا من “ترتيباتها الأمنية”. 

ولكي لا يقال إن هذا التشقق وليد يومٍ واحد، يكفي تذكّر كيف فضحت تقارير سابقة فكرة “التحالف المنضبط” أصلًا، عندما كشفت وكالة أسوشيتد برس عام 2018 عن صفقات واتصالات وتفاهمات ميدانية شملت مقاتلي القاعدة في سياق الصراع، بما يعكس أن التحالف—في لحظات عديدة—كان يشتري الهدوء المؤقت ويعيد تدوير الخصوم بدل حسمهم، لأن الهدف الأكبر كان إدارة الحرب لا إنهاءها.

ذكر هذه الخلفية ليس للنبش في الماضي من أجل الماضي، بل لأنها تُفسر لماذا لا يثق أحد اليوم في “هندسة السلام” السعودية: من اعتاد إدارة اليمن كملف مقايضات، ينتهي إلى يمنٍ لا يعترف بهندسته، ولا يحترم أوامره، ولا يبقى فيه سوى الفاتورة.

اللحظة الحالية تقول إن النظام السعودي خسر اليمن على ثلاثة مستويات دفعة واحدة: خسر بوصلته العسكرية لأن الحوثي لم يُكسر، وخسر بوصلته السياسية لأن الجنوب الذي “حُرّر” لم يعد موحدًا تحت سقفه، وخسر بوصلته الرمزية لأن الحليف الإماراتي يستطيع أن يبتسم للسلام ويترك الرياض تتلقى الإهانة الميدانية وحدها، ثم—عند الحاجة—يُعاد تدوير القصة كـ“خلاف عابر” داخل تحالف ما زال قائمًا، رغم أن الواقع يكتب سطرًا آخر: تحالف يتآكل من الداخل، ونظام سعودي يتصرف كقوة كبرى في البيانات وكطرف مأزوم على الأرض.

اليمن يسقط من يد الرياض وتبقى السعودية تدفع الثمن اليمن لم يعد ساحة “نصر مؤجل” كما تحب دعاية النظام السعودي، بل صار سجلًا مفتوحًا للهزيمة: دولة أعلنت الحرب لتثبت هيبتها، فخرجت بواقع تتقاذفه الفصائل، وبحليف إماراتي يتقن اللعبة ويترك الرياض في الواجهة، وبمشهد نهائي يلخص كل شيء؛ بيان ترحيب بالسلام يُنشر في الصباح، وغارة ضد “حليف” تُتداول في الظهيرة، ثم صمتٌ رسمي يهبط في المساء لأن الاعتراف بالواقع فضيحة أكبر من إنكارها. هذا هو تعريف الهزيمة في اليمن: ليس أنك لم تربح… بل أنك لم تعد تملك حتى القدرة على الادعاء أنك تقود

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية