سلام على أنقاض طهران؟ حين تُختزل السعودية في معادلة “سقوط النظام”

سلام على أنقاض طهران؟ حين تُختزل السعودية في معادلة “سقوط النظام”

في خضم التصعيد الإقليمي، خرجت تصريحات إسرائيلية وأمريكية ترسم مشهدًا يبدو فيه مستقبل المنطقة مرهونًا بلحظة واحدة: سقوط النظام الإيراني. من تل أبيب، قيل إن السعودية “ستجني الكثير من هذه الحرب” وإن السلام معها سيكون “قريبًا جدًا” بعد انهيار طهران. ومن واشنطن، ذهب سيناتور بارز إلى أن اعتراف الرياض بإسرائيل كدولة يهودية سيصبح أكثر واقعية “عندما يسقط النظام الإيراني”، بما يعنيه ذلك من “نهاية فعلية للصراع العربي–الإسرائيلي”. وبين هذين الصوتين، نصيحة إسرائيلية بأن تُدار المرحلة بحكمة سياسية مترافقة مع قوة عسكرية تقودها الولايات المتحدة لفتح “نافذة فرصة لعصر إقليمي جديد”.

هذا الخطاب لا يقرأ السعودية بوصفها دولة ذات حسابات مستقلة ومعقدة، بل كقطعة في لوحة شطرنج يُعاد ترتيبها على إيقاع حرب. إنه اختزال خطير، لأنه يفترض أن مسار العلاقات الإقليمية — بما فيها العلاقة الحساسة بين الرياض وتل أبيب — يتحدد حصريًا بنتيجة صراع عسكري مع إيران. والأخطر أنه يربط “السلام” بشرط إسقاط نظام، لا ببناء تسوية عادلة أو معالجة جذور النزاع.

السلام كغنيمة حرب: منطق يُقايض الاستقرار بالرهان

حين يُقال إن السعودية “ستجني الكثير” من الحرب، فالمقصود ضمنًا أن إضعاف إيران سيمنح الرياض مكاسب استراتيجية تفتح الباب لتطبيع سريع. لكن هذا الطرح يتجاهل حقائق أساسية:

أولها أن أي حرب واسعة مع إيران لن تكون معزولة التأثير، بل ستمتد ارتداداتها إلى أسواق الطاقة والملاحة الإقليمية وسلاسل الإمداد. السعودية — أكبر مُصدّر للنفط وأحد أهم لاعبي السوق — لا تستطيع التعاطي مع الحرب كحدث بعيد؛ فبنيتها التحتية الحيوية في مرمى أي تصعيد.

ثانيها أن “السلام” الذي يُبنى على أنقاض خصم إقليمي لا يكون سلامًا بقدر ما يكون إعادة اصطفاف تحت ضغط اللحظة. السلام المستدام يحتاج شرعية داخلية، وتدرجًا محسوبًا، ومعالجة للملفات الحساسة — وفي مقدمتها القضية الفلسطينية — لا مجرد تبدّل في ميزان القوى.

ثالثها أن تصوير الاعتراف بإسرائيل كـ“نهاية للصراع العربي–الإسرائيلي” يغفل تعقيدات الواقع. الصراع ليس شعارًا يُطوى بقرار سياسي منفرد، بل شبكة قضايا سيادية وحقوقية وتاريخية. ربط نهايته بسقوط نظام في طهران يُحمّله ما لا يحتمل ويحوّله إلى أداة في معادلة ردع، لا إلى مسار تسوية.

حسابات الرياض: أمن قومي أم مقامرة استراتيجية؟

الخطاب الإسرائيلي–الأمريكي يفترض تقاطعًا تلقائيًا في المصالح “المعادية لإيران”. لا شك أن الرياض ترى في سلوك طهران الإقليمي تهديدًا، وقد عبّرت عن ذلك مرارًا. لكن تحويل هذا القلق إلى دعم غير مشروط لمسار عسكري واسع يختلف جذريًا عن إدارة تنافس إقليمي عبر الردع والدبلوماسية.

السعودية اليوم تخوض مشروع تحول اقتصادي يعتمد على الاستقرار، وجذب الاستثمارات، وتخفيض المخاطر الجيوسياسية. أي انخراط — مباشر أو مُتصوَّر — في حرب كبيرة سيضاعف كلفة التأمين، ويؤثر في تدفقات رأس المال، ويضع مشاريعها الكبرى تحت اختبار قاسٍ. لذلك تبدو المقاربة الأكثر واقعية بالنسبة للرياض قائمة على موازنة دقيقة: حماية أمنها القومي دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.

كما أن أي خطوة باتجاه تطبيع شامل مع إسرائيل لا يمكن أن تُفصل عن الرأي العام الداخلي والإقليمي، ولا عن معايير تتعلق بمستقبل الفلسطينيين. تجاهل هذه الاعتبارات والرهان على “لحظة انتصار” عسكرية لتجاوزها هو وصفة لسلام هشّ، لا لاتفاق مستقر.

نافذة الفرصة أم نافذة المخاطر؟

الدعوة إلى الجمع بين “تحركات سياسية ذكية” و”قوة عسكرية بقيادة الولايات المتحدة” لفتح عصر إقليمي جديد تبدو على الورق متماسكة. لكن التجربة الحديثة في المنطقة تقول إن القوة العسكرية كثيرًا ما تفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان. إسقاط أنظمة أو إضعافها لا يضمن بالضرورة استقرارًا؛ أحيانًا يطلق موجات عدم يقين تعيد تشكيل الخريطة بطرق يصعب ضبطها.

ثم إن افتراض أن السعودية ستندفع نحو اعتراف كامل وفوري إذا تغيرت موازين القوى في إيران يتجاهل طبيعة السياسة السعودية التي تميل — في الملفات الحساسة — إلى الحذر والبراغماتية. الرياض قد ترى في أي تحول إقليمي فرصة لإعادة التفاوض على ترتيبات أمنية أوسع، لكنها ليست ملزمة بقبول صيغة جاهزة صيغت خارجها.

الأكثر إشكالًا هو تحويل السعودية إلى “جائزة” في خطاب تعبئة. هذا يضعها في مرمى استقطاب حاد: إن اقتربت، وُصفت بأنها تنتهز الحرب؛ وإن تريثت، قيل إنها تُفوّت فرصة تاريخية. في الحالتين، يُسحب منها حق تعريف مصالحها بشروطها.

 لا سلام يُبنى على سقوط ولا اعتراف يُفرض بإيقاع القنابل

الرهان على أن سقوط نظام سيُنتج تلقائيًا سلامًا إقليميًا هو تبسيط مُخلّ لتاريخ المنطقة وتعقيداتها. السعودية ليست ورقة تُحرّكها نتائج المعارك، بل دولة تحسب خطواتها بين أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي وشرعيتها الإقليمية. إذا كان هناك “عصر جديد” ممكن، فلن يولد من شرط إسقاط، بل من تسويات تُعالج المخاوف المتبادلة وتُحصّن الاستقرار وتُراعي حساسيات الداخل. أما السلام الذي يُعلن على وقع الانفجارات، فغالبًا ما يحمل بذور هشاشته في لحظة ولادته

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية