سلطة السيرك الرقمي: الترفيه كأداة لإخماد الوعي في السعودية

سلطة السيرك الرقمي: الترفيه كأداة لإخماد الوعي في السعودية

تتكشف ملامح السياسة الاقتصادية والاجتماعية في السعودية اليوم لا من خلال البيانات الرسمية وحدها، بل من التناقض الصارخ بين ما يُؤجَّل ويُقلَّص ويُعاد تسعيره تحت ضغط شح الموارد، وبين ما يُضَخ بسخاء في قطاعات الترفيه والألعاب والرياضة مهما بلغت كلفتها أو فشلها. فبينما تُواجه مشاريع البنية التحتية الكبرى، وعلى رأسها ملاعب كأس العالم 2034، تأخيرات جوهرية وإعادة تصميم قسرية بسبب خفض التكاليف وتراجع أسعار النفط، تستمر الدولة في تمويل مهرجانات رياضية، وفعاليات ملاكمة، ومشاريع ألعاب إلكترونية خاسرة، في مشهد لا يمكن فهمه إلا بوصفه سياسة إلهاء ممنهجة تستهدف الفئة الشابة تحديدًا، لإشغالها عن واقع اقتصادي واجتماعي يتجه نحو مزيد من الانكماش والقلق.

ملاعب مؤجَّلة واقتصاد يُشدّ الحزام: حين تصطدم الرؤية بسقف المال

ما كشفته الغارديان عن تأخيرات مشاريع ملاعب كأس العالم 2034 ليس تفصيلاً تقنيًا في جدول زمني، بل مؤشرًا بنيويًا على أزمة أعمق. شركات معمارية طُلب منها إعادة تقديم تصاميمها لأن التكلفة «باهظة»، مقاولون أُبلغوا بأن البناء لن يبدأ في موعده، تهديدات بسحب العقود إن لم تتحقق «وفورات كبيرة»، وتكهنات واسعة بتقليص عدد الملاعب من 15 ملعبًا إلى أقل من ذلك. هذه ليست تعديلات هامشية، بل تراجعات قسرية يفرضها واقع مالي لم يعد يحتمل الإنفاق كما كان يُروَّج له قبل سنوات.

صندوق الاستثمارات العامة، الذي يقود هذا التحول، لا يخفي اليوم رغبته في خفض التكاليف، وهو ما يعني عمليًا أن مشاريع كان يُفترض أن تكون رمزًا لـ«القوة الاقتصادية الصاعدة» باتت تُدار بعقلية التقشف والضغط، نتيجة تراجع أسعار النفط وضيق الهوامش المالية. هنا تتبدد رواية الوفرة المطلقة، ويظهر أن الدولة، حين يتعلق الأمر بالبنية التحتية طويلة الأجل، تُعيد الحسابات وتؤجل وتقلص، لأنها ببساطة لم تعد قادرة على تحمّل الكلفة المعلنة.

الخبز والسيرك بنسخة رقمية: الألعاب الإلكترونية كأداة حكم

في المقابل، وعلى النقيض تمامًا من هذا التشدد، يتواصل الإنفاق بسخاء على قطاع الألعاب الإلكترونية والرياضات الترفيهية، في ما تصفه تحليلات واشنطن بوست بسياسة «الخبز والسيرك» الحديثة. الدولة تُعلن بفخر أن لديها أكثر من 23.5 مليون «متحمس للألعاب»، وتقدّم ذلك كإنجاز وطني، بينما يُسوَّق شغف ولي العهد بألعاب مثل Call of Duty وFinal Fantasy كجزء من الهوية الجديدة للبلاد.

هذا التركيز ليس بريئًا ولا ثقافيًا محضًا، بل سياسي بامتياز. فالألعاب والرياضة هنا لا تُستخدم لتنمية مهارات أو بناء اقتصاد معرفي مستدام، بل كوسيلة لحشد دعم الفئة الشابة، تلك الفئة التي تشكل الأغلبية السكانية، والتي يُراد لها أن تنغمس في العوالم الافتراضية، والبطولات، والنجوم، بدل الانشغال بأسئلة البطالة، والديون، وغياب المشاركة السياسية، وتقلص الفرص الاقتصادية الحقيقية.

كما قال كريم زيدان بوضوح، هذا «إلهاء منظّم»: سلّوا الناس، واتركوا السلطة تمضي دون مساءلة. إنها معادلة قديمة تُعاد صياغتها بأدوات رقمية حديثة.

تمويل الفشل بلا تردد: حين تُصرّ الدولة على الخسارة

الأكثر دلالة في هذا المشهد هو الإصرار على تمويل مشاريع فاشلة حتى بعد انكشاف فشلها. استحواذ مؤسسة «مسك» التابعة لمحمد بن سلمان على 96% من شركة SNK اليابانية عام 2021 قُدّم كخطوة استراتيجية لدخول عالم الألعاب العالمية. لكن النتيجة، بعد حملة ترويج ضخمة، كانت لعبة Fatal Fury: City of the Wolves التي لم تحقق أي نجاح جماهيري يُذكر، رغم الترويج لها في أحداث عالمية كبرى، ورغم إدخال كريستيانو رونالدو كشخصية قابلة للعب، ورغم ربطها مباشرة بفعاليات ملاكمة ممولة من هيئة الترفيه.

الفشل كان واضحًا إلى درجة أن الرئيس التنفيذي للشركة استقال بعد أسابيع قليلة فقط من الإطلاق. ومع ذلك، لم يتوقف الضخ المالي، ولم يُفتح أي نقاش علني حول جدوى هذه الاستثمارات أو أسباب إخفاقها. الدولة، التي تُعيد حسابات الملاعب وتؤجلها، لا تُعيد حسابات الترفيه حتى حين تثبت الخسارة. وهذا التناقض ليس اقتصاديًا فقط، بل سياسي: البنية التحتية يمكن تأجيلها، لكن أدوات الإلهاء يجب أن تستمر.

إلهاء الشباب عن واقع يتدهور

في المحصلة، يتشكل نمط واضح: اقتصاد يتباطأ، مشاريع كبرى تتأخر، تكاليف تُضغط، ورؤية تُعاد صياغتها على وقع شح الموارد، يقابله اندفاع غير عقلاني نحو تمويل الترفيه والألعاب والرياضة، ليس لأنها مربحة أو ناجحة، بل لأنها تؤدي وظيفة سياسية مباشرة. الشباب، الذين يُفترض أن يكونوا محور التنمية الحقيقية، يُعاد توجيههم نحو التفاهة المنظمة، حيث تُختزل طموحاتهم في بطولات، وألعاب، ونجوم، بينما يُطلب منهم تجاهل الواقع الأليم الذي يتشكل من حولهم.

دولة تُؤجّل البناء وتُسرّع الإلهاء

ما يحدث اليوم في السعودية ليس خللًا في الأولويات، بل أولوية واضحة بحد ذاتها: حين يضيق المال، تُؤجَّل الملاعب وتُخفَّض التصاميم، لكن لا يُمسّ تمويل الترفيه، لأن الأخير لم يعد قطاعًا اقتصاديًا، بل أداة حكم. سياسة الخبز والسيرك، في نسختها السعودية، لا توزّع الخبز بقدر ما توزّع الشاشات والألعاب والفعاليات، في محاولة لإغراق الوعي العام بالتفاهة حتى لا يرى التصدعات العميقة في الاقتصاد والمجتمع. إنها مقامرة خطيرة، لأن الشعوب قد تُلهى مؤقتًا، لكنها لا تنسى الواقع إلى الأبد. والدولة التي تستثمر في الإلهاء أكثر مما تستثمر في البناء، تؤجل الانفجار، لكنها لا تلغيه

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية