عندما افتتحت السعودية جزيرة سندالة في احتفال ضخم أواخر عام 2024، جرى تقديم المشروع بوصفه أول ثمرة ملموسة لمشروع نيوم وأحد أبرز رموز التحول الاقتصادي الذي وعد به محمد بن سلمان. حضر المشاهير، وتدفقت التغطيات الإعلامية العالمية، ورُسمت صورة لجزيرة فاخرة يفترض أن تصبح وجهة للنخبة العالمية ورمزًا لقدرة المملكة على بناء مشاريع تتجاوز المعايير التقليدية.
لكن بعد أقل من عامين فقط، بدأت الصورة اللامعة بالتصدع بصورة متسارعة، لتتحول سندالة من نموذج يُراد له أن يرمز إلى نجاح رؤية 2030 إلى واحد من أكثر المشاريع إثارة للأسئلة والانتقادات. واليوم، ومع اعترافات جديدة حول مشكلات عميقة داخل المشروع، ومحاولات رسمية لإعادة تشغيله وإنقاذه، يبدو أن الجزيرة التي كان يفترض أن تكون بوابة المستقبل تحولت إلى شاهد جديد على أزمة الإدارة والتخطيط التي تلاحق المشاريع العملاقة في السعودية.
فبدل الحديث عن تدفق السياح واليخوت والاستثمارات، أصبح الحديث يدور حول أخطاء هندسية، وتكاليف متضخمة، وإقالات إدارية، ومحاولات إنقاذ متأخرة لمشروع لم ينجح حتى الآن في تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها.
الافتتاح الضخم الذي أخفى أزمة أكبر
منذ البداية، كان واضحًا أن سندالة لم تكن مجرد مشروع سياحي عادي، بل مشروع دعائي بامتياز. فقد أرادت السلطات السعودية أن تجعل منها أول دليل عملي على أن نيوم ليست مجرد رسومات رقمية وعروض تقديمية، بل مشروع قادر على إنتاج واقع ملموس.
ولهذا السبب أُنفقت مبالغ ضخمة على حفل الافتتاح والتسويق الدولي واستقطاب الشخصيات العالمية. كان المطلوب إرسال رسالة واحدة إلى العالم: نيوم بدأت تتحقق.
لكن ما تكشف لاحقًا أن الضغوط السياسية والإعلامية لإنجاز المشروع بسرعة ربما كانت أكبر من قدرة المشروع نفسه على الوصول إلى مرحلة التشغيل الطبيعي.
فمع مرور الوقت، بدأت تتسرب معلومات عن مشكلات في التنفيذ والتشطيبات والبنية التشغيلية، لتتضح تدريجيًا صورة مختلفة تمامًا عن تلك التي رُسمت خلال الافتتاح.
المشكلة لم تكن في التفاصيل الصغيرة فقط، بل في جوهر المشروع وقدرته على العمل كوجهة سياحية مستدامة.
وهنا بدأت الأسئلة الحقيقية بالظهور: هل كان الهدف افتتاح المشروع بأي ثمن حتى لو لم يكن جاهزًا بالكامل؟ وهل جرى تقديم الصورة الإعلامية على حساب المعايير الفنية والتشغيلية؟
حين تتحول الأخطاء الهندسية إلى أزمة استراتيجية
أكثر ما يثير القلق في قضية سندالة أن المشكلات التي ظهرت لم تكن مجرد عيوب تجميلية أو نواقص تشغيلية يمكن إصلاحها بسهولة.
فالمعلومات المتداولة تشير إلى وجود تحديات مرتبطة بتصميم المرسى نفسه، وهو العنصر الأساسي الذي بُنيت عليه فكرة الجزيرة باعتبارها وجهة لليخوت والسياحة البحرية الفاخرة.
وعندما تصبح البنية الأساسية نفسها موضع شكوى وانتقاد، فإن القضية تتجاوز مسألة التأخير أو الصيانة لتصل إلى مرحلة التساؤل حول جودة التخطيط من الأساس.
فالمشاريع العملاقة لا تُقاس بحجم الأموال التي تُنفق عليها، بل بمدى قدرتها على أداء الوظيفة التي أُنشئت من أجلها.
وإذا كان المشروع يحتاج إلى عمليات إنقاذ وإعادة تشغيل بعد فترة قصيرة من افتتاحه، فإن ذلك يكشف أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد أخطاء تنفيذية عابرة.
ولهذا يرى كثير من المراقبين أن سندالة أصبحت نموذجًا مصغرًا للمعضلات التي تواجه نيوم عمومًا: طموحات هائلة، وإنفاق ضخم، وضغط زمني كبير، لكن مع نتائج لا ترقى إلى حجم الوعود.
إقالة القيادات لا تُخفي أزمة النموذج
من بين أكثر التطورات دلالة في هذا الملف، الإطاحة بعدد من القيادات التنفيذية المرتبطة بالمشروع خلال الفترة الماضية، وفي مقدمتهم نظمي النصر الذي ارتبط اسمه لسنوات طويلة بنيوم.
ورغم أن تغيير القيادات يُستخدم غالبًا كإجراء لتصحيح المسار، فإن المشكلة الحقيقية لا تبدو مرتبطة بالأشخاص فقط.
فالأسئلة المطروحة اليوم تتعلق بالنموذج نفسه الذي أدار هذه المشاريع منذ البداية.
هل كانت القرارات تُبنى على دراسات واقعية أم على أهداف دعائية؟
هل أُعطيت الفرق الفنية والهندسية المساحة الكافية للتعبير عن التحفظات والمخاطر؟
وهل كانت هناك آليات رقابة ومحاسبة قادرة على اكتشاف الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات؟
هذه الأسئلة تزداد أهمية مع كل مشروع يُراجع أو يُؤجل أو يُلغى داخل منظومة نيوم.
فما يحدث في سندالة لا يبدو حادثة منفصلة، بل جزءًا من نمط أوسع بدأ يظهر في عدد من المشاريع التي واجهت تخفيضات أو إعادة تقييم خلال السنوات الأخيرة.
محاولة إنقاذ متأخرة لمشروع فقد بريقه
اليوم، تبدو مهمة إعادة إحياء سندالة أشبه بمحاولة استعادة الثقة أكثر من كونها مجرد عملية تشغيلية.
فالضرر لم يعد ماليًا فقط، بل أصاب صورة المشروع نفسه.
فعندما يتحول المشروع الذي رُوّج له عالميًا باعتباره رمز المستقبل إلى موضوع للنقد والسخرية والتساؤلات، فإن استعادة المصداقية تصبح أكثر صعوبة من استكمال أعمال البناء.
وقد تنجح الجهات الجديدة في معالجة بعض المشكلات التشغيلية أو تحسين الأداء، لكن التحدي الأكبر سيبقى مرتبطًا بإقناع المستثمرين والأسواق بأن ما جرى في سندالة لن يتكرر في بقية مشاريع نيوم.
وهو تحدٍ يزداد صعوبة مع تزايد التقارير التي تتحدث عن مراجعات واسعة للمشاريع العملاقة وتقليص للإنفاق وإلغاء لعقود بمليارات الدولارات.
سندالة تكشف الوجه الآخر لرؤية 2030
لم تعد قصة سندالة مجرد قصة جزيرة سياحية متعثرة، بل أصبحت مرآة تعكس جانبًا مهمًا من التحديات التي تواجه رؤية 2030 بأكملها.
فالمشروع الذي بدأ كرمز للطموح السعودي انتهى إلى رمز للأسئلة الصعبة حول الإدارة والتخطيط والإنفاق والأولويات.
والحقيقة التي يصعب تجاهلها أن المشاريع العملاقة لا تنجح بالاحتفالات والعروض الإعلامية وحدها، بل بالقدرة على التنفيذ السليم وتحقيق النتائج المستدامة.
أما عندما تصبح عملية الإنقاذ جزءًا من الخطة بعد أشهر قليلة من الافتتاح، فإن ذلك لا يكشف فقط أزمة مشروع واحد، بل يفتح الباب أمام مراجعة أوسع للنموذج الذي أدار أكبر الرهانات الاقتصادية في تاريخ المملكة الحديث. سندالة اليوم ليست جزيرة تبحث عن زوار، بل مشروع يبحث عن مبرر لكل تلك المليارات التي أُنفقت عليه






