سوق تنهار وأرقام تُزوّر: “تداول السعودية” نموذج لفشل اقتصادي مؤسسي

 سوق تنهار وأرقام تُزوّر: “تداول السعودية” نموذج لفشل اقتصادي مؤسسي

أرباح مجموعة تداول السعودية انهارت إلى 96.2 مليون ريال فقط في الربع الثاني من 2025، مسجلة تراجعًا بنسبة 20% عن الربع الأول، وبنسبة 41.3% مقارنة بنفس الفترة من 2024. هذا ليس مجرد انخفاض، بل سقوط حرّ لبورصة تُسوّق على أنها الأكبر في الشرق الأوسط. لا علاقة لما يحدث بتقلبات السوق أو ظروف موسمية. ما يجري هو تفكك هيكلي لجهة لم تُبنَ لتكون مؤسّسة اقتصادية حقيقية، بل منصة تزييف لإنجازات ورقية.

منظومة تداول باتت تُمثّل فشلًا مركبًا: فشل إداري، فشل رقابي، وفشل في إنتاج الثقة. ورغم ذلك، لا اعتراف، لا محاسبة، ولا حتى مؤشرات إصلاح. كل ما يُطرح: لغة علاقات عامة تكرّر الأكاذيب نفسها.

لا سوق، لا مؤشرات، لا استثمار

ما يُسمى بسوق المال السعودي لا يعمل وفق معايير السوق. لا عرض حقيقي، لا طلب عضوي، ولا تداول ناتج عن حركة اقتصادية. الموجود هو نموذج فوقيّ قائم على أوامر وتعليمات ونشرات رسمية لا يقرأها سوى المطلعين.

كيف تُبنى الثقة في بيئة:

  • تُستخدم فيها أدوات مالية عقيمة؟
  • تُدار فيها البورصة كمكتب علاقات حكومية؟
  • يُقصى فيها المستثمر المحلي من كل معادلة تأثير؟
  • تُجبر الشركات على الاكتتاب العام دون جاهزية حقيقية؟

النتيجة واضحة: هروب استثماري جماعي، انكماش في التداول، وتراجع الإيرادات رغم كل الضخ الإعلامي.

الإنفاق يتضاعف والعائد صفر

وفق تقرير الشركة، التكاليف التشغيلية قفزت بنسبة 15.9%، في وقت تتراجع فيه الإيرادات بنحو 9.8% سنويًا. هذه المعادلة لا يبررها منطق اقتصادي. المؤسسة الوحيدة التي تسمح لنفسها بالإنفاق التوسعي دون مردود هي مؤسسة تعرف أنها محصّنة من المحاسبة.

لا يوجَد تفسير اقتصادي لإصرار تداول على التوسع في الخدمات، بينما المؤشرات تنكمش. كل ما هنالك هو استمرار في استنزاف الميزانية العامة، وتغليف الإخفاق بلغة “التنمية”. أما الواقع، فهو اقتصاد يتآكل من الداخل، وسوق تفقد كل وظائفها الجوهرية.

تزييف النجاح وتحريف الأرقام: لغة السلطة لا لغة السوق

أي مؤسسة مالية محترمة تبدأ تقاريرها بتفسير لماذا حدث ما حدث. في تداول، يُقدَّم التراجع على أنه ظاهرة طبيعية، كأن السوق مصاب بالزكام الموسمي. لا توجد لغة صريحة، لا تعبير عن القلق، ولا أي مؤشر لنية المراجعة.

الأرقام تُعرض كأداة تجميل. المصطلحات مصاغة بطريقة تُغلف الهبوط على أنه “تراجع طفيف”، وتُوصف الخسائر على أنها “إعادة ضبط”. هذا ليس تحليلًا ماليًا، بل أداء سياسي داخل بورصة تُفترض فيها المهنية.

المستثمر الوطني متفرج صامت في بورصة مخصخصة للصفوة

المواطن الذي يُقال له “استثمر في الوطن” لا يرى سوى الخسارة. أدوات التحوط غائبة. الشفافية معدومة. القوانين تُعدّل في الظلام. الإدراجات الجديدة لا تخدم السوق، بل تخدم أجندات حكومية أو مصالح مراكز قوى.

منصة التداول صارت ناديًا مغلقًا لمن يملكون المفاتيح، لا للمواطن الذي يُطلب منه الاستثمار دون ضمانات أو حماية. ومع كل تراجع في القيمة، لا يُمنح أحد حق المساءلة، ولا يُحاسب من يدير السوق كأنها شركة خاصة ورثها من والده.

الحوكمة غائبة والمحاسبة خط أحمر

المؤشرات الرقابية في أدنى مستوياتها:

  • لا تفاصيل كافية عن نسب السيولة، أو توزعها.
  • لا تحقيقات في أسباب الهبوط المستمر.
  • لا لجنة محايدة تُراجع أداء الشركة.

لا إطار رقابي مستقل يُقيّم جدوى التوسعات أو مصاريف التشغيل.

كل شيء يُدار داخليًا، وخلف الكواليس. لا أحد يعرف من قرر، ولا لماذا قرر، ولا من راجع القرار. سوق بهذا الغموض لا تستحق أن تُسمى “بورصة” من الأساس.

طرح عام شكلي وخصخصة تُدار كأنها توزيع غنائم

برامج الطرح العام الأولي تحوّلت إلى مواسم دعائية. الشركات تُدرج لأنها قريبة من مراكز النفوذ، لا لأنها جاهزة ماليًا. لا تُطبّق معايير شفافة للاختيار. لا يُعرف من يقرّر من يدرج ومن يُستثنى. ما يجري أقرب إلى توزيع حصص نفعية مغلّفة بلغة الاستثمار.

خصخصة المؤسسات المالية، إن لم تُبنى على إصلاحات داخلية، تتحوّل إلى تفكيك للقطاع العام وتسليمه للنخبة.

انهيار ثقة = انهيار قادم

أرقام تداول في هذا الربع ليست مجرد مؤشرات مالية. هي نذير بانهيار ثقة شامل:

  1. ثقة المستثمرين المحليين تُستنزف.
  1. ثقة المستثمر الأجنبي تنهار مع كل قرار غير مفهوم.
  1. ثقة المجتمع في فكرة “الإصلاح” تتآكل ببطء ولكن بثبات.

والأخطر: لا أحد يعترف. لا خطاب رسمي يتعامل بجدية. لا ندوة واحدة تبحث “ماذا يحدث لتداول؟”. لا مراجعة من هيئة سوق المال. الصمت هو اللغة الرسمية لهذا الفشل المتراكم.

هذه ليست بورصة، هذه منصة تجميلية لإخفاء الخراب

الرقم 96.2 مليون ريال كأرباح ربع سنوية ليس مجرد نتيجة ضعيفة. هو صفعة لكل دعايات “التحول الوطني”، ولكل من تاجروا بفكرة أن البورصة أصبحت انعكاسًا لنموذج اقتصادي حديث. لا إنتاج حقيقي، لا إدارة رشيدة، لا مشاركة شعبية، ولا مستقبل واضح.

تداول السعودية لا تنهار فجأة. هي تنهار بهدوء مخيف، وبعلم كل من يُدير المشهد. والكارثة الأكبر أن أحدًا لا يجرؤ على قول الحقيقة: السوق لم تعد تعمل، والإصلاح المزعوم أنتج تشوهًا أكبر من العطب السابق.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية