لم يعد السلوك السياسي لولي العهد السعودي محمد بن سلمان قابلًا للفصل عن شعور متزايد بالهشاشة. فخلف لغة القوة والاستعراض، تتراكم مؤشرات انهيار اقتصادي واجتماعي وسياسي، تدفع القيادة إلى البحث المحموم عن مظلة حماية خارجية بدل معالجة جذور الأزمة في الداخل. ما تكشفه قراءات وتحليلات متداولة في دوائر سياسية وإعلامية دولية لا يقدّم “اعترافًا أيديولوجيًا”، بقدر ما يفضح منطق الخوف: الخوف من اقتصاد يتباطأ، ومجتمع مُنهك بالقمع، وشرعية سياسية تُدار بالقوة لا بالرضا
داخلٌ مأزوم: حين تُدار البلاد بالاستعراض ويغيب الإصلاح
السنوات الأخيرة أظهرت أن “الإصلاحات” المعلنة لم تُنتج استقرارًا بنيويًا. العكس هو الصحيح: بطالة ترتفع بين المواطنين، ضغط معيشي متزايد بفعل الضرائب والرسوم، وتقلّص للطبقة الوسطى، مقابل مشاريع عملاقة مُكلفة تُعاد مراجعتها أو تقليصها. اجتماعيًا، توسّع القمع ليطال العلماء والشباب وأي صوت مستقل، ما خلق صمتًا قسريًا لا إجماعًا. سياسيًا، تحوّلت الدولة إلى مركز قرار فردي؛ مؤسسات بلا وزن، وإعلام بلا مساءلة. هذا الفراغ الداخلي لا يمكن ملؤه بالدعاية، ولا بإقامة فعاليات صاخبة تُغطي هشاشة الواقع.
صدمة أرامكو 2019: لحظة سقوط وهم الحماية
الهجوم على منشآت أرامكو عام 2019 كان نقطة انعطاف قاسية. في تلك اللحظة، أدركت القيادة أن “الضمانات” الغربية ليست تلقائية، وأن الوعود لا تتحول بالضرورة إلى درع واقٍ عند الاختبار. بدل استخلاص الدرس الداخلي—بناء ردع ذاتي، إصلاح مؤسسي، تخفيف المغامرات—جاءت الاستجابة بالبحث عن اختصار خارجي: مسار يُعيد فتح أبواب واشنطن عبر قنوات نفوذ، ولو على حساب ثوابت الخطاب السابق. هنا لم يكن التحول عقائديًا؛ كان أمنيًا محضًا، قائمًا على فكرة أن التطبيع هو جسر الحماية.
تحالفات متقلبة وحملات بلا بوصلة: سياسة الهروب إلى الأمام
تُظهر الوقائع الميدانية ملامح هذا الارتباك: حملات خطابية قاسية ضد شركاء سابقين، محاولات نسج تحالفات أمنية متسارعة مع تركيا وباكستان، وضربات جوية في جنوب اليمن لتفكيك أنظمة انفصالية. هذه التحركات لا تصدر عن رؤية متماسكة بقدر ما تعكس ارتدادًا عصبيًا من مأزق داخلي. فالدولة الواثقة لا تغيّر بوصلتها بهذا المعدل، ولا تفتح جبهات خطابية ثم تعيد صياغتها تبعًا للحظة. هذا نمط “إدارة أزمة دائمة”، لا بناء سياسة خارجية مستقرة.
الأخطر أن هذا التقلّب يُضعف المصداقية. الشركاء لا يراهنون على قيادة تُبدّل مواقفها دون إطار مؤسسي، والخصوم لا يُردعون حين يرون اندفاعًا غير محسوب. وهكذا تتآكل المكانة الإقليمية لا لأن الخصوم أقوى، بل لأن القرار مرتبك.
الرهان الخاطئ: حماية بلا إصلاح
تتنامى في الأوساط الدولية قناعة بأن الرهان على الرياض بوصفها “ركيزة استراتيجية” ثابتة بات محفوفًا بالمخاطر، مقابل صعود قوى أخرى أكثر استقرارًا مثل الهند. هذه الخلاصة قاسية لكنها كاشفة: من يبحث عن حماية خارجية دون إصلاح داخلي يصبح عبئًا لا شريكًا. الحماية تُمنح لمن يمتلك عناصر قوة ذاتية: اقتصاد متين، مجتمع متماسك، مؤسسات تعمل. أما دولة تُدار بالخوف، فستظل تطلب ضمانات أكثر وتقدّم تنازلات أكبر
لا منقذ للخوف: الدولة تُبنى من الداخل أو تنهار من الخارج
محاولة تعويض ضعف الداخل بتحالفات عابرة ليست استراتيجية؛ إنها هروب. لا واشنطن ولا أي عاصمة قادرة على إنقاذ نظام يتجنب مواجهة أزماته البنيوية. الطريق الوحيد للخروج من المأزق يبدأ بإصلاح حقيقي: فتح المجال العام، وقف القمع، إعادة الاعتبار للمؤسسات، وترشيد الطموح الاقتصادي بما يتوافق مع الموارد. دون ذلك، سيظل البحث عن “المنقذ القوي” علامة ضعف لا قوة، وستبقى السياسة الخارجية مرآةً لخوفٍ يتضخم كلما تأخر علاج الداخل.






