شرعية على موائد الغداء: كيف تُدار السياسة السعودية خارج أي مساءلة

شرعية على موائد الغداء: كيف تُدار السياسة السعودية خارج أي مساءلة

لم يعد الانفتاح الذي تروّج له السلطة السعودية يُقاس بمدى توسيع الحريات أو إصلاح البنية السياسية أو احترام إرادة المجتمع، بل بات يُختزل في صور بروتوكولية ولقاءات مغلقة تُقدَّم بوصفها “إنجازات دبلوماسية”، بينما تُدار في الواقع خارج أي إطار مؤسسي أو نقاش وطني. في هذا السياق، يأتي مشهد مشاركة السفيرة السعودية في واشنطن ريما بنت بندر في غداء خاص جمعها برئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، على هامش فعالية دولية في دافوس، ليكشف نمطًا مقلقًا من إدارة السياسة الخارجية: قرارات مصيرية تُصاغ في دوائر ضيقة، بلا تفويض شعبي، وبلا مساءلة، وبلا حتى محاولة لتهيئة الرأي العام أو احترام حساسياته التاريخية والسياسية.

القضية هنا لا تتعلق بلقاء دبلوماسي عابر، ولا بتبادل مجاملات بروتوكولية، بل بسلوك سياسي متراكم يعكس استخفافًا متزايدًا بالمجتمع، وتحويل “الانفتاح” إلى أداة فوقية تُستخدم لإعادة تموضع السلطة خارجيًا، فيما يستمر القمع داخليًا بلا انقطاع.

دبلوماسية بلا دولة: حين تُدار السياسة كملف علاقات عامة

ما جرى في دافوس ليس حدثًا معزولًا، بل امتداد لمسار طويل تتعامل فيه القيادة السعودية مع السياسة الخارجية بوصفها ملف علاقات عامة، لا سياسة دولة ذات مؤسسات. فالسفيرة ريما بنت بندر لم تشارك في لقاء علني أو منتدى مفتوح، بل في غداء خاص استضافته شخصيات معروفة بدورها في هندسة شبكات النفوذ المالي والسياسي العابرة للحدود. هذا النوع من اللقاءات لا يُبنى على مصالح مُعلنة أو استراتيجيات مُناقشة، بل على تفاهمات نخب مغلقة تُدار بعيدًا عن أي رقابة.

الأخطر أن هذا المسار يتناقض جذريًا مع الخطاب الرسمي الذي يزعم أن السعودية “تحافظ على ثوابتها” و”تلتزم بالقضية الفلسطينية”، بينما تُدار في الخلف قنوات تواصل وتطبيع ناعم لا يمر عبر أي مؤسسة تشريعية، ولا يُعرض على المجتمع، ولا حتى يُناقش إعلاميًا بشفافية. هكذا تتحول الدبلوماسية من أداة تعبير عن الإرادة الوطنية إلى نشاط نخبة، يهدف إلى إعادة تسويق النظام خارجيًا، لا إلى خدمة مصالح المجتمع أو الدفاع عن مواقفه التاريخية.

انفتاح خارجي وقمع داخلي: مفارقة لا يمكن إخفاؤها

في الوقت الذي تُكثّف فيه السلطة السعودية حضورها في مثل هذه اللقاءات، يعيش الداخل السعودي واحدة من أكثر مراحل القمع حدة في تاريخه الحديث. اعتقالات واسعة، أحكام قاسية على مغردين وشباب، إسكات كامل لأي صوت مستقل، وتشديد غير مسبوق على الفضاء الرقمي، كما وثّقته تقارير دولية متعددة. هذه المفارقة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل جوهر الأزمة.

فالسلطة التي تبحث عن “شرعية دولية” عبر طاولات الغداء والمنتديات المغلقة، هي ذاتها التي ترفض أي شكل من أشكال الشرعية الداخلية القائمة على المشاركة أو المحاسبة. وهنا يصبح الانفتاح مجرد واجهة، لا تعبيرًا عن تحول حقيقي. بل يمكن القول إن هذا النوع من الانفتاح الخارجي يُستخدم تحديدًا لتعويض العجز الداخلي، ولصرف الأنظار عن واقع سياسي مأزوم يقوم على الحكم الفردي وتهميش المجتمع.

إن ما يجري يبعث برسالة خطيرة مفادها أن رضا العواصم المؤثرة أهم من رضا المواطنين، وأن الصورة في الخارج أولى من العدالة في الداخل، وأن العلاقات الدولية تُدار بمعزل كامل عن القيم التي يُفترض أن تمثلها الدولة أمام شعبها.

تطبيع بلا نقاش: المجتمع خارج المعادلة

أحد أخطر أبعاد هذا المشهد هو الإصرار على إخراج المجتمع السعودي بالكامل من أي نقاش يتعلق بخيارات سياسية حساسة، وعلى رأسها مسألة العلاقة مع الكيان الإسرائيلي. فبدل فتح نقاش عام، أو احترام الذاكرة الجمعية، أو حتى تقديم سردية واضحة تشرح التحولات، يجري تمرير هذه اللقاءات كأمر واقع، ثم يُترك المجتمع أمام الصدمة أو الإنكار.

هذا السلوك لا يعكس ثقة بالنفس، بل خوفًا من النقاش. فالسلطة التي تثق بخياراتها لا تخشاها حين تُطرح علنًا، أما السلطة التي تفضّل الغرف المغلقة واللقاءات الخاصة، فهي سلطة تدرك هشاشة سرديتها، وتخشى أن تواجه بأسئلة لا تملك إجابات مقنعة عنها. وهكذا يتحول التطبيع من قرار سياسي – مهما كان الموقف منه – إلى ممارسة فوقية تُفرض بصمت، وتُسوّق لاحقًا بوصفها “حكمة” أو “براغماتية”.

دولة بلا صوت شعبها لا تملك شرعية

ما تكشفه واقعة غداء دافوس ليس مجرد لقاء دبلوماسي مثير للجدل، بل نمط حكم كامل يقوم على إدارة الدولة كما لو كانت شركة علاقات عامة، تُسوّق نفسها للنخب الدولية، بينما تُقصي شعبها من أبسط حقوقه في المعرفة والمساءلة. حين تُدار السياسة الخارجية في غياب أي تفويض شعبي، وحين يُختزل الانفتاح في صور وابتسامات، بينما يستمر القمع في الداخل، فإن النتيجة ليست “دولة منفتحة”، بل سلطة تبحث عن غطاء خارجي لتعويض فراغ داخلي. الشرعية لا تُصنع على موائد الغداء، ولا تُشترى بالابتسامات الدبلوماسية. الشرعية تُبنى حين يكون الشعب شريكًا لا متفرجًا، وحين تكون السياسة تعبيرًا عن إرادة عامة لا قرار نخبة. وما لم تُدرك السلطة السعودية هذه الحقيقة، فإن كل هذا “الانفتاح” لن يكون سوى قشرة لواقع أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للانكشاف

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية