صفقة F-35… سلاحٌ يُباع ونظامٌ يُشترى: كيف يحوّل بن سلمان أمن المملكة إلى ورقة مساومة عند واشنطن؟

صفقة F-35… سلاحٌ يُباع ونظامٌ يُشترى: كيف يحوّل بن سلمان أمن المملكة إلى ورقة مساومة عند واشنطن؟

بن سلمان
بن سلمان

تسريب بلومبيرغ الأخير حول اقتراب اتفاق بين دونالد ترامب ومحمد بن سلمان يسمح للنظام السعودي بشراء مقاتلات F-35 لم يكن خبرًا عاديًا، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من التبعية السياسية والابتزاز العسكري الذي يطبع العلاقة بين الرياض وواشنطن منذ عقود. تفاصيل التسريب، كما نشرتها بلومبيرغ بتاريخ 14 نوفمبر 2025 نقلًا عن مسؤول أمريكي، تتزامن مع زيارة بن سلمان المرتقبة للبيت الأبيض، في مشهد يبدو أقرب إلى طقسٍ استعراضيٍّ يُراد له أن يُظهر واشنطن كـ”مانح” والرياض كـ”طالب”، بينما الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. الصفقة ليست أمنية ولا دفاعية، بل سياسية بالكامل، وتكشف هشاشة بنيوية عميقة داخل النظام السعودي الذي يحاول شراء شرعية سياسية من الخارج بعدما فقدها في الداخل عبر فشل اقتصادي متضخم وقمع متصاعد.
تقرير رويترز المنشور في اليوم نفسه يضيف طبقة أخرى من التأكيد، إذ نقل تصريحًا مباشرًا لترامب قال فيه إن السعوديين “طلبوا مني النظر في الأمر، يريدون شراء الكثير من ’35‘”. الجملة التي قد تبدو عابرة تعكس جوهر علاقة مختلة: البيت الأبيض يملك حق الموافقة أو الرفض، والنظام السعودي ينتظر على الباب ودفاتره مفتوحة. هذه ليست مفاوضات متكافئة، بل علاقة زبون يُستنزف، وبائع يدرك تمامًا أن أمامه خزينة بلا سقف ولا مساءلة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تفكيك أبعاد الصفقة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، للكشف عن حقيقة ما يجري تحت الطاولة، بعيدًا عن ضجيج الدعاية الرسمية.
“من صفقة الـ142 مليار إلى الـF-35 نظام يدفع أي شيء ليبقى قائمًا”
عودة لتقرير رويترز المنشور بتاريخ 13 مايو 2025 حول صفقة الأسلحة العملاقة البالغة 142 مليار دولار، يتضح أن مطلب الـF-35 كان مطروحًا منذ أشهر، لكنه لم يُلبّ حينها. واشنطن — بحسب التقرير — ناقشت طلب الرياض لكنها لم تمنحه الضوء الأخضر. لماذا الآن إذًا؟ ولماذا يتكرر الإعلان كلما اقتربت زيارة سياسية أو مواجهة انتخابية في الولايات المتحدة؟
الإجابة تكمن في حاجة نظام بن سلمان إلى “إنجاز خارجي” يعوّض فشل رؤية 2030 وعجز الميزانية المتفاقم، وحاجة دونالد ترامب إلى مادة سياسية يستعرض بها نجوميته كرجل صفقات. الطرفان بحاجة لبعضهما البعض، لكن كلٌ منهما بحاجة للآخر لأسباب مختلفة. النظام السعودي يحتاج الغطاء، وترامب يحتاج المال.
تقرير AeroTime المنشور منتصف نوفمبر 2025 يكشف أن البنتاغون نفسه غير مقتنع بأن الرياض مؤتمنة على التكنولوجيا الأميركية فائقة الحساسية، وأن الخشية الأكبر تكمن في احتمال تسرب أنظمة الطائرة إلى الصين عبر العلاقات التقنية المتنامية مع المملكة. مجرد وجود هذا القلق يكشف أن الولايات المتحدة لا ترى في الرياض شريكًا موثوقًا، بل سوقًا مربحة، لا أكثر.

“التفوق الإسرائيلي… الخط الأحمر الذي سيدفع بن سلمان ثمنه كاملًا”
أي دولة عربية تطلب الـF-35 تواجه مباشرة مبدأ أمريكي لا يتغير: الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل. تقرير Business Insider الصادر في مايو 2025 وضع هذا الشرط في صلب تحليل الصفقة، مؤكدًا أن بيع الـF-35 للرياض سيستفز المعارضة الإسرائيلية والكونغرس.
كيف سيتجاوز النظام السعودي هذا الجدار؟ الجواب الذي تلمح إليه الصحافة الأميركية واضح: التنازلات.
تنازلات سياسية، أمنية، اقتصادية، وربما خطوات أسرع نحو التطبيع الكامل. واشنطن لا تمنح تكنولوجيا الـF-35 دون مقابل، والمقابل غالبًا ليس مالًا فقط بل مواقع نفوذ، وفتح أسواق، وتغيير مواقف إقليمية. بهذا المعنى، الصفقة ليست مجرد طائرات بل إعادة اصطفاف سياسي كامل.
النظام السعودي يعرف ذلك، ولذلك يتعامل مع الصفقة كاستثمار سياسي طويل الأمد، حتى لو كان الثمن باهظًا داخليًا وخارجيًا.
“بين وهم القوة وحقيقة الفشل… هل يحتاج بن سلمان طائرة شبح أم شرعية حقيقية؟”
هنا تنكشف حقيقة أكثر قسوة: النظام السعودي لا يحتاج طائرة من الجيل الخامس بقدر ما يحتاج رواية جديدة يسوقها للداخل. مشاريع رؤية 2030 تتعثر، الديون تتصاعد، البطالة ترتفع، والاستثمارات الأجنبية تهرب. كل هذا يجعل النظام يبحث عن حدث صاخب يعيد إنتاج صورة “الحاكم القوي”.
الـF-35 مثالية لهذا الدور. الطائرة ليست مجرد سلاح، بل رمز تفوق تكنولوجي، يستطيع النظام تضخيمه إعلاميًا ليغطي على فشل اقتصادي خانق. لكن السؤال الحقيقي يبقى: ما جدوى هذه الطائرات دون منظومة صناعية، ولا تدريب كافٍ، ولا عقيدة عسكرية مستقلة، ولا سيادة على القرار الاستراتيجي؟
المفارقة أن النظام الذي يعجز عن إنجاز مشروع داخلي واحد دون تأجيل أو نزيف مالي، يتصرف كما لو أنه قادر على تشغيل أكثر مقاتلة تعقيدًا في العالم. هذا وهم، وليس استراتيجية.
واشنطن تدرك ذلك، ولذلك لا تنظر للرياض كقوة عسكرية صاعدة، بل كزبون دائم السداد، مستعد لدفع المزيد كلما ضاقت عليه حلقات الفشل.
“طائرة شبح… ونظام مكشوف: الـF-35 لن تُخفي سقوط مشروع بن سلمان مهما حلقَت عاليًا”
تبقى الحقيقة واضحة رغم كل الضجيج: شراء الـF-35 لن يجعل السعودية أقوى، بل سيجعل النظام أكثر تبعية. الصفقة — إن تمت — ستكون أكبر دليل على أن النظام السعودي لا يبني أمنًا وطنيًا، بل يشتري حماية خارجية مؤقتة، بينما يقمع الداخل ويفشل في الاقتصاد ويفقد ما تبقى من شرعيته. الطائرة قد تكون شبحًا، لكن أزمة النظام السعودي واضحة للعين المجردة: افتقار للحكم الرشيد، غياب للشفافية، فشل تنموي، وتعلق دائم بحبل واشنطن.
لا قوة حقيقية تُشترى. ولا نظام فقد الثقة داخليًا يستطيع استعادتها بطائرة، مهما بلغت كلفتها أو قدراتها.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية