في وقت تتسابق فيه الحكومات لعرض مشاريعها “الخضراء” أمام الكاميرات، خرج المدير العام لصندوق أوبك للتنمية الدولية، د. عبد الحميد الخليفة، ليطلق تحذيرًا نادرًا من قلب المؤسسات النفطية:
“التحول للطاقة المتجددة يجب أن يكون تدريجيًا لتفادي المخاطر ولا يمكن الاستغناء عن الغاز في المرحلة الانتقالية.”
التصريح، الذي أدلى به في مقابلة مع CNN الاقتصادية، لا يبدو مجرد رأي فني، بل موقف نقدي ضمني من الاندفاع غير المدروس الذي تتبعه بعض الدول النفطية — وفي مقدمتها السعودية — نحو مشاريع “التحول الأخضر” التي تستهلك مليارات الدولارات بلا رؤية اقتصادية واضحة.
الواقعية مقابل “التحول الاستعراضي”
يشير صندوق أوبك للتنمية إلى أن التحول السريع وغير المنظَّم نحو الطاقة المتجددة قد يهدد استقرار اقتصادات الدول النامية، خصوصًا تلك التي تعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط والغاز في تمويل الإنفاق العام.
ويأتي هذا الموقف على النقيض من النهج السعودي الذي يركّز على مشاريع رمزية ضخمة مثل “نيوم للهيدروجين الأخضر” و“ذا لاين”، والتي تُسوّق على أنها دليل قيادة المملكة للتحول البيئي.
لكن خلف هذا اللمعان، يعاني الاقتصاد السعودي من عجز متزايد بلغ 65.3 مليار دولار في موازنة 2025، وانخفاض في أسعار النفط إلى مستويات تاريخية مقارنة بالتضخم — ما يجعل التمويل المستمر لمثل هذه المشاريع مغامرة محفوفة بالمخاطر.
الغاز: مصدر “الشرعية الطاقية” الجديدة
حين يقول الخليفة إن “الغاز لا يمكن الاستغناء عنه”، فهو يعيد وضع النقاش في سياقه الطبيعي: التحول لا يعني القطع الفجائي، بل مرحلة انتقالية متوازنة تضمن أمن الطاقة واستقرار الأسواق.
في المقابل، تعتمد مشاريع السعودية “الخضراء” على الاقتراض الخارجي المكثف وتمويل من بنوك صينية (مثل ICBC وCDB)، فيما تتجاهل اعتمادها الفعلي على الغاز كمصدر طاقة أساسي في تشغيل هذه المشاريع.
بمعنى آخر، النظام السعودي يبيع صورة “الاستغناء عن الوقود الأحفوري” للعالم، بينما يعتمد عليه فعليًا لضمان استمرار مشاريعه الدعائية.
المخاطر الاقتصادية: الإنفاق بلا عائد
تحذيرات صندوق أوبك تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الأزمات المالية التي تعصف بدول “الرؤية”.
فمنذ عام 2022، تضاعفت ديون صندوق الاستثمارات العامة، في حين تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السعودية بنسبة تقارب 60%.
إطلاق مشروع جديد بقيمة 500 مليار دولار مثل نيوم، ثم مشروع “هيومين” للذكاء الاصطناعي بقيمة 10 مليارات دولار، يؤكد أن الإنفاق أصبح غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق تنويع حقيقي للاقتصاد.
تصريحات الخليفة هنا تبدو كتحذير غير مباشر:
“التحول غير التدريجي لا يصنع مستقبلًا مستدامًا، بل أزمة مالية مؤجلة.”
من النقد الفني إلى الرسالة الدبلوماسية
يُعتبر صندوق أوبك للتنمية أحد أذرع التعاون الاقتصادي بين الدول المنتجة للطاقة، وموقفه عادةً متوازن ومحسوب.
لكن خروجه بتصريحات كهذه — في خضم اندفاع السعودية نحو “التحول الأخضر” —
يحمل دلالة سياسية ضمنية:
هناك انقسام داخل المعسكر النفطي نفسه حول جدوى المشاريع الاستعراضية والديون الضخمة باسم “الاستدامة”.
فبينما تسعى الرياض إلى تقديم نفسها كقائد عالمي للتحول المناخي، يرى خبراء الطاقة داخل أوبك أن هذا “التحول السريع” يقفز فوق الواقع الاقتصادي ويعرّض استقرار المنطقة للخطر.
التحول التدريجي لا يعني التراجع
رسالة صندوق أوبك واضحة:
التحول للطاقة المتجددة ضرورة لا جدال فيها، لكن الطريق إليها يجب أن يكون واقعيًا، قائمًا على التدرّج، التوازن، والاستثمار الذكي، وليس على المغامرات المالية والتسويق الإعلامي.
وفي حين يواصل محمد بن سلمان تسويق مشاريع “التحول الأخضر” بتمويل ضخم وبلا مردود ملموس، تذكّر تصريحات الخليفة أن الاقتصاد لا يبنى بالشعارات، وأن “التحول الحقيقي” لا يُقاس بعدد الألواح الشمسية أو الشعارات البيئية، بل بمدى قدرة الدول على حماية شعوبها من الصدمات القادمة —
المالية أولًا، ثم المناخية.






