عندما قررت طيران ناس – إحدى أكبر شركات الطيران منخفض التكلفة في السعودية – دخول السوق المالية عبر الاكتتاب العام في يونيو 2025، قُدم الأمر كخطوة استراتيجية لترسيخ موقعها كلاعب رئيسي في قطاع الطيران الإقليمي. الإعلانات الترويجية، البيانات الصحفية، ووعود “النمو المستدام” رسمت صورة لشركة على أعتاب مرحلة ازدهار تاريخية. لكن أرقام الربع الثاني من 2025 جاءت كصفعة غير متوقعة: صافي خسائر بلغ 862.5 مليون ريال، مقارنة بأرباح 238.8 مليون ريال في الفترة نفسها من 2024، وانخفاض حاد عن أرباح الربع الأول التي بلغت 147.86 مليون ريال.
اكتتاب بمليار وخسارة بالمثل
السبب الرسمي الذي قدمته الشركة لهذه الخسائر يترك انطباعًا مثيرًا للتساؤل: مصروفات غير متكررة مرتبطة بالاكتتاب العام، قيمتها 1.083 مليار ريال، منها 981.9 مليون ريال لبرنامج المدفوعات المعتمدة على الأسهم للموظفين، و101 مليون ريال كرسوم اكتتاب. ورغم تأكيد الإدارة على أن هذه المصروفات مولها المساهمون قبل الإدراج “دون تأثير على الأداء التشغيلي”، فإن الصورة أمام المستثمرين ليست بهذه البساطة.
خبير الطيران الإقليمي مازن البلوشي يرى أن “إدراج شركة طيران في سوق ناشئة يتطلب ضبطًا استثنائيًا للنفقات، لأن القطاع حساس جدًا للتقلبات. حين تتجاوز مصروفات الإدراج مليار ريال، فهذه إشارة إلى ضعف التخطيط المالي أو إلى رغبة في إرضاء أطراف داخلية أكثر من مراعاة مصلحة المساهمين”.
الأداء التشغيلي ليس بمنأى عن الأزمة
حتى إذا استبعدنا تكاليف الاكتتاب، فإن صافي الربح المعدل للشركة في الربع الثاني بلغ 190.7 مليون ريال، بانخفاض 2.5% عن العام السابق، ما يشير إلى أن المشكلة أعمق من “أثر محاسبي لمرة واحدة”. إيرادات الربع الثاني تراجعت بنسبة 1.5% إلى 2.1 مليار ريال، مع إرجاع السبب إلى “التعليق المبكر لتأشيرات العمرة والزيارات قبل موسم الحج” بالإضافة إلى “حالة عدم الاستقرار الإقليمي”.
الاعتماد على موسم واحد مخاطرة استراتيجية
أزمة طيران ناس تكشف اعتمادًا مفرطًا على مواسم الحج والعمرة كمصدر رئيسي للإيرادات، وهو ما يجعل الشركة رهينة لعوامل سياسية وأمنية خارج سيطرتها. في ظل التوترات الإقليمية وقرارات تنظيمية يمكن أن تصدر في أي لحظة، هذا النموذج التشغيلي أقرب إلى القمار منه إلى الاستثمار المستدام.
الدكتورة ليلى السقاف، أستاذة الاقتصاد في جامعة الكويت، تعلق: “الشركات الناجحة في قطاع الطيران منخفض التكلفة تنوع مصادر دخلها بين المسارات المحلية والإقليمية والدولية، وتبني نماذج تسعير مرنة. طيران ناس لا تزال أسيرة السوق السعودية والمواسم الدينية، وهذا يضعف قدرتها على امتصاص الصدمات”.
إدارة السمعة قبل إدارة المخاطر
في الخطاب الرسمي، يتم التركيز على أن الخسائر “استثنائية” وأن الأداء التشغيلي لم يتأثر، لكن السوق لا تحكم بالتصريحات، بل بالأرقام والاتجاهات. وبينما تستثمر الشركة في تلميع صورتها كمثال للنجاح السعودي في الطيران، يتجاهل هذا الخطاب الحاجة إلى إصلاحات حقيقية في نموذج الأعمال، وتعزيز المرونة التشغيلية، وإعادة هيكلة النفقات.
كما أن تجربة طيران ناس تذكر بأسلوب إدراج شركات أخرى في المنطقة، حيث تكون الأولوية لـ”إبهار” السوق وإرسال إشارات سياسية إيجابية، حتى لو جاء ذلك على حساب الجدوى الاقتصادية الفعلية.
ما بعد الخسارة: تحديات ثقيلة
الخسائر الضخمة في النصف الأول من 2025 – 714.65 مليون ريال مقابل أرباح 388.01 مليون ريال في النصف الأول من 2024 – تضع الشركة في موقف صعب أمام المساهمين الجدد. المنافسة في سوق الطيران الإقليمي تشتد مع دخول شركات خليجية وعالمية أكثر رسوخًا، وتزايد الضغوط على هوامش الربح بسبب أسعار الوقود والتقلبات الجيوسياسية.
إذا لم تنجح الإدارة في استعادة الثقة سريعًا عبر نتائج قوية في النصف الثاني، فقد تجد نفسها أمام موجة بيع من المستثمرين، وهو ما سيضغط على سعر السهم ويهدد خطط التوسع المعلنة.
دروس أوسع للسوق السعودية
أزمة طيران ناس تحمل رسالة واضحة لهيئة السوق المالية السعودية: نجاح الإدراجات لا يُقاس بحجم التغطية الإعلامية أو سرعة بيع الأسهم، بل بقدرة الشركات على تقديم قيمة مضافة للمستثمرين على المدى الطويل.
الخبير الاقتصادي أحمد المري يلخص الأمر بقوله: “إذا استمرت الإدراجات الكبرى في تسجيل خسائر بعد أشهر من دخولها السوق، فإن الرسالة التي تصل للمستثمرين الدوليين ستكون سلبية، مهما كانت قوة الترويج الرسمي. الثقة لا تُشترى بالدعاية، بل تُبنى بالأداء”.
أرباح موسمية في اقتصاد يترنح
تجربة طيران ناس لا يمكن فصلها عن المشهد الاقتصادي الأوسع في السعودية. مع تراجع أسعار النفط عن مستوياتها القياسية، وتزايد تكاليف المشاريع الضخمة التي تلتهم المليارات، تتعرض الشركات السعودية لضغوط متصاعدة للحفاظ على أرباحها وسط بيئة تنافسية محتدمة.
في هذا السياق، تبدو خسائر طيران ناس إشارة تحذيرية لما قد يواجهه قطاع الشركات المدرجة إذا لم يُعَد النظر في نماذج العمل والاستثمار. فالاكتتابات التي تُسوَّق كقصص نجاح قد تتحول بسرعة إلى عبء على السوق إذا غابت عنها الرؤية الطويلة المدى والقدرة على الصمود أمام الأزمات.






