عقلية الحصار الذاتي: كيف تحوّل ارتباك الرياض أزماتها الداخلية إلى حروب بلا ضرورة

عقلية الحصار الذاتي: كيف تحوّل ارتباك الرياض أزماتها الداخلية إلى حروب بلا ضرورة

عقلية الحصار الذاتي: كيف تحوّل ارتباك الرياض أزماتها الداخلية إلى حروب بلا ضرورة
عقلية الحصار الذاتي: كيف تحوّل ارتباك الرياض أزماتها الداخلية إلى حروب بلا ضرورة

ليست المشكلة في كثرة التحديات التي تواجهها السعودية اليوم، بل في طريقة التعامل معها. فبدل الانكفاء لمعالجة الإخفاقات المتراكمة في اليمن، وتداعيات الفشل الاقتصادي، والتصدعات الاجتماعية والسياسية الداخلية، اختارت القيادة السعودية نهجًا أكثر خطورة: فتح جبهات جديدة، ونقل الصراع إلى ساحات أبعد، في محاولة لتصدير الأزمة لا حلّها. هذا النمط من السلوك، الذي يمكن توصيفه بـ«الهروب إلى الأمام»، لا يعكس ثقة أو قوة، بل خوفًا من مواجهة الأسئلة الصعبة في الداخل، ورغبة في تعويض خسائر النفوذ عبر التصعيد الخارجي.

التقرير التحليلي الذي نشرته صحيفة لوموند الفرنسية يضع هذا السلوك في إطار أوضح: السعودية لم تعد تكتفي بإدارة صراعها غير المعلن مع الإمارات في اليمن، بل بدأت تنقل هذا التنافس إلى شرق أفريقيا، على الضفة المقابلة للبحر الأحمر، في خطوة تكشف ارتباكًا استراتيجيًا أكثر مما تعكس رؤية بعيدة المدى.

شرق أفريقيا كبديل عن الفشل في اليمن

بحسب لوموند، تتعامل الرياض مع شرق أفريقيا اليوم باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، لكن ليس من زاوية بناء شراكات مستقرة أو مشاريع تنموية طويلة الأمد، بل بوصفه ساحة جديدة لمواجهة نفوذ إماراتي سبقها بسنوات. الإمارات، التي استثمرت عسكريًا واقتصاديًا في السودان وإثيوبيا والصومال، نجحت في ترسيخ حضور فعلي، بينما ظلت السعودية غائبة أو مترددة.

التحرك السعودي المتأخر نحو القارة لا يبدو نتاج تخطيط طويل، بل رد فعل على شعور بالخسارة. توصيف أحد الدبلوماسيين الغربيين للسعودية بأنها «عملاق يستيقظ ببطء» يحمل في طياته دلالة مزدوجة: نعم، هناك استيقاظ، لكنه استيقاظ قلق، تحركه مخاوف من تمدد الآخرين، لا رؤية ذاتية لما تريده الرياض من أفريقيا.

وهنا تكمن المفارقة: بدل معالجة أسباب الإخفاق في اليمن، حيث تحوّل التحالف إلى عبء سياسي وأمني، جرى توسيع دائرة الصراع ونقلها إلى ساحات أكثر تعقيدًا وهشاشة، بما يهدد بتكرار الفشل نفسه على نطاق أوسع.

ازدواجية القرار وغياب البوصلة

أحد أخطر ما يكشفه التقرير هو ازدواجية التحرك السعودي. ففي الوقت الذي كان فيه وزير الخارجية يناقش في واشنطن ملفات اليمن والسودان، كان نائبه يتحرك ميدانيًا في بورتسودان، في إشارة إلى انتقال الرياض من دور الوسيط إلى دور اللاعب المباشر. هذا التزامن لا يعكس تنسيقًا محكمًا بقدر ما يعكس استعجالًا ورغبة في الإمساك بالملف بأي ثمن.

الأمر نفسه يظهر في التحول السعودي داخل السودان. بعد سنوات من خطاب الوساطة والحياد، باتت الرياض تميل بوضوح لدعم طرف بعينه، وتضغط دوليًا لمعاقبة خصومه. هذا الانحياز لا ينطلق من قراءة هادئة لمصلحة السودان أو المنطقة، بل من حسابات صراع مع الإمارات، ومن محاولة منع أبوظبي من الانفراد بالساحة.

بهذا المعنى، لا تُدار السياسة الخارجية السعودية بمنطق مؤسساتي أو استراتيجي، بل بمنطق رد الفعل. كل خطوة إماراتية تُقابل بمحاولة سعودية لإبطال مفعولها، حتى لو أدّى ذلك إلى فتح جبهة جديدة أو تعقيد نزاع قائم.

من التحالف إلى الصدام العلني

اللحظة الفارقة في هذا المسار كانت حين خرج الصراع بين الرياض وأبوظبي إلى العلن في اليمن، مع استهداف شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات ومتجهة إلى قوات المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا التطور لم يكن حادثًا معزولًا، بل اعترافًا صريحًا بأن التحالف تحوّل إلى ساحة صراع بين حليفين سابقين.

ما يزيد خطورة هذا المشهد هو أن السعودية بدت وكأنها تكتشف متأخرة ما كان قائمًا منذ سنوات: قوات بُنيت وسُلّحت ودُعمت في الجنوب اليمني بعلم الجميع، ثم تحوّلت فجأة إلى “تهديد”. هذا الاكتشاف المتأخر لا يدل على غدر مفاجئ من الطرف الآخر، بل على عجز في القراءة السياسية، أو رغبة في التنصل من مسؤولية مشتركة.

ومع نقل هذا الصراع إلى شرق أفريقيا، يتكرر النمط ذاته: خطوات متأخرة، ردود فعل متشنجة، ومحاولات لإعادة رسم النفوذ في ساحات سبق أن حُسمت فيها المعادلة لصالح أطراف أخرى.

 سياسة من يصنع الأزمات بدل حلّها

طبيعة هذه السياسة واضحة: قيادة مأزومة في الداخل، تعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية، تختار تصدير أزماتها إلى الخارج بدل معالجتها. فتح الجبهات لا يصنع نفوذًا مستدامًا، بل يراكم الخصومات ويستنزف الموارد، ويحوّل الدولة من فاعل عقلاني إلى طرف متقلب.

السياسة التي تقوم على ملاحقة الآخرين في ساحاتهم، بدل تثبيت الاستقرار في الساحة الخاصة، هي سياسة ضعف لا قوة. وما تكشفه تحركات السعودية في شرق أفريقيا ليس “صحوة استراتيجية”، بل محاولة متأخرة لترميم نفوذ تآكل، عبر أدوات التصعيد لا البناء. والنتيجة المرجّحة ليست استعادة الدور، بل توسيع دائرة الفشل، وتحميل الشعب والمنطقة كلفة مغامرات لا ضرورة لها.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية