“قانون على مقاس الجرافة”: نزع الملكية الجديد شفافية على الورق، وتوسيع لولاية القبضة على الأرض

“قانون على مقاس الجرافة”: نزع الملكية الجديد شفافية على الورق، وتوسيع لولاية القبضة على الأرض

يسوّق نظام بن سلمان لنصٍّ جديد يزعم أنه “ينظّم” نزع الملكية ويضمن “التعويض العادل” و”الشفافية”. لكن القراءة المتمعّنة تكشف جوهره: ترخيصٌ واسع لتمدّد الدولة على الأرض الخاصة، مع زخرفة تعويضية تُقدَّم كرشوة أخلاقية للنظام العقاري وللمستثمرين، بينما تُدفن الأسئلة الثقيلة: من يعرّف “المصلحة العامة”؟ من يحدّد الضرورة؟ وأين تُختبَر العدالة حين يكون الخصم والحكم جيوب السلطة ذاتها؟ النظام يقول: سنعطيك القيمة السوقية +20%. الحقيقة: يعطيك ورقةً محسّنة، ويأخذ حقّك في القرار. هذا ليس تحديثًا؛ هذا تعميدٌ قانونيّ لنزع السيادة الفردية باسم التنمية.

“تعويض مُغري” يغطي جرح السيادة

نعم، النص يَعِدُ بالـقيمة السوقية +20%، وبجبر أضرار الإيجار أو خسائر النشاط، بل ويعرض “عقارًا بديلًا” أو “حصصًا في المشروع”. تبدو المعادلة مغرية على الشاشة. لكن هل التعويض—كبر أو صغر—هو مركز العدالة؟ جوهر الحق في الملكية ليس رقماً؛ هو سلطة الفرد على مكانه وزمنه وعلاقته بمدينته. حين تُسقط الدولة الملكية بقرار إداري ثم تقول “سنُعوّض”، فهي تُحوّل الحق إلى هبة، وتُبدّل معنى المواطنة: تصير مالكًا على قدر ما تسمح لك الخطة العليا.

“المصلحة العامة”: مطاطٌ يتسع لكل شيء

المادة (5) تُعرّف “المصلحة العامة” بأنها “كل ما يحقق نفعًا عامًا من تنمية أو ازدهار ويرجّح فيه نفع المجتمع”. عبارة رشيقة لكنها مطّاطة حدّ الذوبان؛ تُسَوّي بين شق مستشفى عام، وتمرير محور فندقيّ لمشروع ترفيهي، وفتح ممر لمدينة وهمية على شكل خطّ زجاجي. في ظل غياب مؤسسات رقابة مستقلة ومحاكمات علنية تُراجع الحاجة والبدائل، يصبح التعريف المفتوح شيكًا على بياض للمشاريع العملاقة التي أثبتت التجربة أنها تُدار بمنطق الصورة لا الجدوى.

يسوّق النظام “وضع اليد المؤقت” كحل مرن: نستخدم عقارك فترة محدودة مع “إيجار عادل + 20% سنويًا”، ثم نعيده لك. على الورق تبدو صفقة قابلة للبلع. في الواقع، من يحدّد “العدالة”؟ من يضمن ألا يمتد “المؤقت” لسنوات تدفن خلالها القيمة المعنوية والاقتصادية للأصل؟ عندما يكون الطرف الأقوى—الجهة العامة—هو من يُطلق الإجراء ويحدّد الحاجة، يصبح “المؤقت” نزعًا مُقنّعًا، و“العلاوة” مجرّد بدل ألم.

شفافيتهم على طريقة أم القرى

النص الرسمي يَعِدُ بنشر قرارات النزع وإتاحة الاعتراض، بل ويمنح من نُزعت ملكية عقاره حقَّ إعادة التقدير إن تأخر الصرف لعامين. حسنًا، الحدّ الأدنى الإجرائي حاضر. لكن التجربة السعودية تقول إن الشفافية الموعودة غالبًا ما تتوقف عند عتبة الإعلان، بينما ميزان القوة في الاعتراض يميل لمن بيدهم القرار والميزانية والإجراءات. من دون قضاء مستقل فعلاً قادر على إيقاف مشروع أو تعديل مساره، تصبح الشفافية عرضًا صوتيًا؛ تسمع الناس، ثم تمضي.

لماذا الآن؟ لأن “نيوم” وأخواتها تحتاج الأرض قبل كل شيء

حين تفشل سندالة—أبسط أجزاء نيوم—في التحول إلى منتجع يعمل للجمهور بعد “افتتاح للنخبة”، وحين تتقلّص وعود ذا لاين تحت مطرقة الفيزياء والتكلفة، يصبح الحصول القسري المنظّم على الأرض مسألة حياة أو موت لآلة المشاريع. قانون النزع الجديد ليس فصلًا قانونيًا منعزلًا؛ إنّه أداة تشغيل لخططٍ ثبت أنها تسبق الجدوى. يحتاجون الأرض بسرعة، والإخلاء بلا صداع قانوني، ورسائل “تعويض عادل” لتهدئة السوق وإغراء المستثمرين الأجانب. هذا القانون هو الوقود العقاري لآلة دعائية مأزومة.

من سيحرس “القيمة السوقية”؟

يقولون: ثلاثةُ مُقيّمين معتمدين، وآليات تقدير تقلّص تباين الأسعار. جميل. لكن من يضمن استقلال التقييم حين يكون طرفٌ عام قويّ هو طالب النزع ومموّل المشروع وحَكَم التعويض في آن؟ في اقتصادٍ تُدار فيه المشاريع العملاقة بقرارات فوقيّة، يُختزل التقييم إلى هندسة رقمية تُجمّل الأثر، تمامًا كما جُمّلت أرقام نيوم قبل أن تنفضح تناقضاتها في تقارير دولية. إذا كانت المدينة نفسها أُديرت كديكور، فكيف نثق بأن تعويضاتها لن تُدار بالروح نفسها؟

يوحي خيار “حصص الملكية” أنه إشراك للمواطن في عوائد التنمية. الحقيقة أنه تحويل صاحب الحق إلى مساهم قسري في مشروع لم يختره. تُستبدل العلاقة الأخلاقية القانونية (مالك/دولة) بعلاقة مخاطر سوقية (مساهم/شركة)، بما يجرّد التعويض من وظيفته الأصلية: جبر الضرر. لا يُراد لك أن تسترد سيادتك على المكان، بل أن تتبنّى سردية الربح المحتمل كي تبتلع خسارتك الفعلية.

“استثمار أجنبي” أم خريطة ملكية معكوسة؟

تروّج الصحافة الناطقة بالإنجليزية أنّ القانون “يطَمْئن المستثمرين” ويُسرّع المشاريع، بالتوازي مع تحديثات تتيح ملكية أجنبية أوسع في مناطق محددة. حين تُجمع خيوط الصورة: سلطة نزع واسعة + تملّك أجنبي آخذ بالاتساع + مشاريع عملاقة تُدار بقرار فوقي = خريطة ملكية معكوسة حيث يصبح المواطن الحلقة الأضعف في سوقٍ تُعيد توزيع الأرض رأسًا على عقب، وتحوّل “المنفعة العامة” إلى سردية تزيينية لتمكين كبار اللاعبين.

الفجوة الأخلاقية: من حق إلى منحة

لا يُصلح “تعويض +20%” خللًا بنيويًا مفاده أن الحق في الملكية صار قابلاً للسحب الإداري. حين تُدار المدن كمنصات علاقات عامة، يصبح القانون مِعولًا ناعمًا يفتح الطريق للجرافة، ويحوّل البيت والحيّ والسوق إلى أرقام قابلة لإعادة الترتيب على مزاج “الرؤية”. العدالة ليست شفافية إعلان؛ العدالة ميزان قدرة: قدرةُ الفرد على قول “لا” إذا لم تثبت “المنفعة العامة” موضوعيًا، وقدرةُ القضاء على وقف المشروع أو تعديله، وقدرةُ المجتمع على مراقبة الدوافع ومحاسبة النتائج—وجميعها غيابها هو القاعدة في نظام يُجرّم النقد ويؤمم القرار.

القانون يُقنّن ما فشل الخطاب في تمريره

هذا النظام ليس انتصارًا قانونيًا للمواطن؛ إنّه نصٌّ انتصاري للدولة على المواطن. يُجمّل النزع بعلاوة 20%، يلمّع “الوضع المؤقت” بعائد إيجاري، يَعِدُ بـ“حصة” كي يبتلع الألم؛ لكنّه في الجوهر يوسّع يد السلطة على الأرض لتغذية مشاريعٍ أثبت الواقع اهتزازها.

إن كان النظام جادًا في “المنفعة العامة”، فليمتحنها أمام قضاء مستقل، ولْيضع تعريفًا مُحكمًا يفرّق بين مستشفى وطريقٍ عام وبين مرسى لليخوت أو محور ترفيهي، ولْيَضمَن للمالك حقّ الاعتراض الفعلي والإيقاف لا الحقّ في استلام شيك. ما عدا ذلك، فإن “قانون نزع الملكية” سيبقى اسمًا حركيًا لولاية الجرافة: مزيدٌ من الأرض في يد الدولة، ومزيدٌ من التجميل في يد الإعلام، وأقلُّ قدرٍ ممكن من العدالة في يد الناس.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية