في ظرف ستة أشهر فقط، قفز صافي الدين الخارجي للبنوك السعودية من 34 مليار ريال إلى 123 مليار ريال (32.8 مليار دولار). هذه الأرقام التي كشفتها وكالة S&P Global ليست مجرد تفصيل مالي، بل مؤشر صارخ على هشاشة النظام المالي تحت قيادة محمد بن سلمان، الذي يدفع البلاد إلى الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي لتغطية عجز الداخل. الأخطر أن 52% من هذه الديون قصيرة الأجل ومملوكة لبنوك أجنبية، ما يجعلها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار مع أي أزمة جيوسياسية أو هزة في الأسواق العالمية.
ديون قصيرة الأجل خطر داهم
ما يثير الفزع أن أكثر من نصف هذه الديون ذات طبيعة قصيرة الأجل، أي أن استحقاقها سيأتي سريعًا، مما يضع البنوك السعودية في مواجهة التزامات عاجلة لا يضمن أحد كيف ستتم تغطيتها. أي أزمة إقليمية أو عقوبات محتملة أو حتى تقلبات أسعار النفط قد تجعل هذه البنوك عاجزة عن سداد التزاماتها في الوقت المحدد، وهو ما يفتح الباب أمام أزمة سيولة خانقة قد تُصيب النظام المالي بأكمله بالشلل.
من الناحية الاقتصادية، تضخم الديون الخارجية بهذا الشكل يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين الدوليين:
- البنوك السعودية لم تعد قادرة على الاعتماد على السيولة المحلية، فلجأت إلى الخارج.
- الشروط التي تُفرض على هذه القروض غالبًا ما تكون أقسى، وهو ما يزيد الضغط على الموازنات.
وجود أكثر من نصف الالتزامات في صورة قروض قصيرة الأجل يشي بأن المقرضين الأجانب لا يثقون في استقرار طويل المدى للاقتصاد السعودي.
التناقض مع خطاب “القوة الاقتصادية”
بينما يروّج محمد بن سلمان أن السعودية في طريقها لأن تصبح مركزًا ماليًا عالميًا، تكشف هذه الأرقام واقعًا مختلفًا تمامًا: بلد يُغرق قطاعه المصرفي في ديون خارجية ضخمة، ويُعرّض نظامه المالي لمخاطر مضاعفة. هذا التناقض بين الخطاب الدعائي والواقع المالي يضع المملكة في خانة الاقتصادات الهشة، التي تبدو قوية في الإعلام لكنها في العمق تستند إلى قروض وديون بلا غطاء إنتاجي حقيقي.
المواطن في قلب العاصفة
هذه الأزمة لن تبقى محصورة في سجلات البنوك. فكل انهيار في الثقة بالنظام المصرفي يعني:
- ارتفاع كلفة القروض على الأفراد والشركات.
- تشديد القيود على التمويل العقاري والاستهلاكي.
ضغوط إضافية على القطاعات الحيوية، من الإسكان إلى المشاريع الصغيرة.
بمعنى آخر، يدفع المواطن ثمن المقامرات الاقتصادية من جيبه، سواء عبر ارتفاع أسعار الفائدة أو عبر الضرائب غير المباشرة التي تفرضها الدولة لتعويض خسائرها.
مقارنة تكشف حجم الانحدار منذ إطلاق الرؤية
عند إطلاق رؤية 2030 عام 2016، كان صافي الدين الخارجي للبنوك السعودية شبه محدود، إذ اعتمدت على السيولة المحلية والفوائض النفطية لتغطية احتياجاتها. في تلك المرحلة، لم يتجاوز صافي الدين الخارجي عشرات المليارات، وغالبًا ما كان قصير الأجل وسهل السداد.
لكن بعد أقل من عقد، وتحديدًا في 2024، قفز الدين الخارجي إلى 123 مليار ريال خلال ستة أشهر فقط، بزيادة تعكس تآكل السيولة المحلية، وفشل المشاريع العملاقة في توليد عوائد حقيقية، واعتمادًا متزايدًا على أسواق المال الدولية.
هذه المقارنة تفضح جوهر رؤية 2030: بدل أن تحوّل السعودية إلى مركز مالي عالمي، جعلت نظامها المصرفي أكثر هشاشة واعتمادًا على الخارج. من اقتصاد قائم على الفوائض، إلى اقتصاد مرتهن للقروض، والنتيجة صورة براقة في الإعلام لكن واقعًا غارقًا في الديون.
ديون اليوم.. انهيار الغد
قفزة الدين الخارجي للبنوك السعودية إلى 123 مليار ريال في ستة أشهر ليست مجرد رقم؛ إنها شهادة إدانة جديدة لفشل الرؤية الاقتصادية التي وعدت بالاستدامة. نصف هذه الديون قصيرة الأجل، ما يعني أن أي هزة صغيرة قد تتحول إلى زلزال مالي. وهكذا يتضح أن ما يقدمه النظام السعودي للعالم من صورة “قوة اقتصادية صاعدة” ليس سوى وهم هش قائم على الاقتراض الخارجي.






