كبار السن في السعودية: ضحايا الإقصاء في دولة تُزيّن صورتها وتُهمل أضعف مواطنيها

كبار السن في السعودية: ضحايا الإقصاء في دولة تُزيّن صورتها وتُهمل أضعف مواطنيها

في أبريل/نيسان 2025، زارت كلو يا ماهلر، الخبيرة الأممية المعنية بحقوق كبار السن، السعودية بدعوة رسمية، وقدّمت تقريرها الموسع في مجلس حقوق الإنسان بجنيف.

لكن ما كُشف لم يكن سوى صورة قاتمة تُناقض خطاب الانفتاح والتحديث الذي تبيعه الرياض للعالم. من غياب الحماية القانونية، إلى ضعف الخدمات، مرورًا بالتمييز الصارخ ضد العمالة المهاجرة، وصولًا إلى أوضاع المسنين داخل السجون؛ بدت المملكة كما لو أنها دولة تُجيد تنظيم الفعاليات الباذخة، لكنها عاجزة عن صون كرامة من تجاوزوا سنّ الكفاح.

وعود بلا تشريعات

أول ما رصده التقرير هو الفراغ القانوني: لا دستور ولا قوانين صريحة تحظر التمييز على أساس العمر.

تقول يا ماهلر بوضوح: «لا يوجد في السعودية نص قانوني صريح يحظر التمييز على أساس السن، وهذا يترك كبار السن عرضة للإقصاء والحرمان من حقوقهم».

صحيح أن الحكومة أقرت “نظام حقوق كبير السن”، لكنه جاء عامًا وغامضًا، بلا آليات تنفيذ أو رقابة حقيقية. النتيجة أن النصوص مجرد ديكور يُعرض في المؤتمرات، بينما الواقع يُبقي كبار السن خارج الحسابات.

التقرير أشار إلى غياب استراتيجية وطنية شاملة. بدلًا من ذلك، هناك لجان وبرامج متناثرة بلا رابط ولا جدوى.

الخبيرة الأممية شددت على أن «الجهود الحالية مجزأة ومبنية على برامج مؤقتة، ولا ترقى إلى مستوى سياسة وطنية متكاملة».

الحكومة تتحدث عن “برامج دعم” لكنها لا تعالج القضايا الهيكلية: تدني المعاشات، ضعف الضمان الاجتماعي، وغياب مؤسسات مجتمع مدني مستقلة قادرة على الدفاع عن كبار السن.

خدمات عامة معطوبة

رغم التفاخر بقطار الحرمين وتوسعة بعض المرافق، رصدت الخبيرة نقصًا فادحًا في النقل العام وتهيئة البنية التحتية: لا مصاعد كافية، ولا إشعارات صوتية، ولا مقاعد مخصصة.

إلى جانب ذلك، فإن التحول الرقمي الذي تتباهى به الرياض تحوّل إلى أداة إقصاء غير مباشر؛ كبار السن الذين لا يمتلكون مهارات رقمية باتوا عاجزين عن الوصول إلى الخدمات الحكومية.

الدولة الرقمية الحديثة تحولت إلى جدار إلكتروني يُقصي من هم خارج ثقافة التكنولوجيا.

التقرير أشار بوضوح إلى أن أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي تقتصر على العاملين الرسميين، بينما يُستثنى المهاجرون وغير السعوديين.

بل إن بعض المعاشات التقاعدية تقع تحت خط الفقر الوطني، ما يترك شريحة واسعة من كبار السن في أوضاع مهينة، معتمدين على مساعدات خيرية عشوائية بلا ضمانات حقوقية.

أي حديث عن “رؤية 2030” يفقد معناه حين يكون كبار السن—مفترض أنهم أصحاب فضل وتجربة—غارقين في الفقر والتهميش.

عبء غير متوازن على النساء

رعاية كبار السن في السعودية ما تزال تعتمد على النظام الأسري التقليدي، ما يضع العبء الأكبر على النساء.

غياب أي سياسات لدعم مقدمي الرعاية يعني أن الأمهات والبنات يتحملن وحدهن مسؤولية رعاية المسنين، بلا دعم مالي أو قانوني.

أما العمالة المنزلية المهاجرة—ومنها نساء مسنات—فهن أنفسهن عرضة للاستغلال، في ظل غياب الحماية القانونية، لتصبح معاناتهن مزدوجة: عاملة مسنّة بلا حماية تخدم مسنًا بلا رعاية.

مسنون في الزنازين

أخطر ما كشفه التقرير هو أوضاع كبار السن في السجون، خصوصًا المحتجزين على خلفيات سياسية.

الخبيرة الأممية قالت إنها «تشعر بقلق عميق من وجود محتجزين مسنين في ظروف غير إنسانية، خصوصًا في القضايا السياسية والأمنية».

والأدهى أن السلطات منعتها من لقاء شخصيات بارزة مثل سلمان العودة وسفر الحوالي، ما يؤكد أن الحديث عن “انفتاح” ليس سوى ستار لإخفاء واقع قمعي.

أي دولة تدّعي احترام حقوق الإنسان بينما تُخفي مسنيها وراء القضبان؟

هيئة بلا أنياب

حتى هيئة حقوق الإنسان السعودية، التي يُفترض أنها الذراع الرقابية، بدت في التقرير مجرد واجهة شكلية.

أحد الأمثلة الفاضحة أن مكتب الهيئة في سجن الحائر لم يكن يعرف حتى أعداد المسنين المحتجزين! كيف يمكن لمؤسسة كهذه أن تحمي الحقوق وهي عاجزة عن إحصاء الأفراد؟

هنا يصبح دور الهيئة أقرب إلى التلميع الدعائي منه إلى الرقابة الحقيقية.

التقرير سلط الضوء على حرمان غير السعوديين من الرعاية الصحية المجانية، ما يتناقض مع مبدأ عدم التمييز الذي تدّعيه المملكة أمام المحافل الدولية.

وفي المناطق الريفية، حيث تغيب الخدمات المتخصصة، يعاني كبار السن من أوضاع أشد هشاشة، ليكشف ذلك عن تمييز مزدوج: جغرافي ووطني.

السماح للمقررة الأممية بالزيارة بدا محاولة لتقديم صورة “منفتحة”، لكن ما خرجت به هو تقرير دامغ: لا سياسات شاملة، لا تشريعات كافية، ولا حماية فعلية لكبار السن.

السلطات السعودية تُنفق المليارات على مشاريع استعراضية مثل نيوم والفعاليات الرياضية، بينما تترك مسنيها يواجهون الفقر والعزلة والتمييز.

دولة تُهمل حكمتها

المجتمع الذي يُهمل كبار السن يعلن إفلاسه الأخلاقي قبل إفلاسه السياسي.

التقرير الأممي لم يكن دعاية معادية، بل شهادة دولية صريحة: كبار السن في السعودية يعيشون بلا حماية قانونية، بلا رعاية متكاملة، وبعضهم يُزجّ بهم في السجون التعسفية.

في بلد يرفع شعار “النهضة والتجديد”، يُفترض أن يكون المسنّ رمزًا للحكمة والتجربة، لا ضحية للتمييز والإقصاء.

لكن ما كشفه التقرير هو أن النظام السعودي يشتري المستقبل بالدعاية، ويبيع الماضي والحاضر بالتجاهل والإهمال.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية