كيف تُعاد صياغة المجال العام في السعودية على مقاس البار؟

كيف تُعاد صياغة المجال العام في السعودية على مقاس البار؟

تتراكم خلال الفترة الأخيرة مؤشرات متزامنة لا يمكن قراءتها كوقائع معزولة: مطاعم تُصمَّم بروح الحانات الغربية، مهرجانات تُكافئ الاستعراض الجسدي وتُبرّره بوصفه “ذوقًا عالميًا”، توسيع صامت لقنوات الوصول إلى المشروبات الكحولية للأجانب، وترويج واسع لثقافة الموكتيل بوصفها بوابة آمنة إلى عالم البارات. هذه العناصر، حين تُجمع، ترسم مسارًا واضحًا لإعادة تشكيل الذوق العام عبر التطبيع التدريجي، حيث تُقدَّم الممارسة قبل تقنينها، وتُرسَّخ الصورة قبل النقاش، وتُفرض العادة قبل القانون.

البار بلا كحول بوابة ثقافية كاملة

التركيز الإعلامي على عبارة “0% كحول” يُستخدم كدرع أخلاقي يُخفي ما هو أعمق: استيراد منظومة البار كاملة، لا المشروب وحده. الإضاءة، الموسيقى، طقوس التحضير، لغة التقديم، وتحوّل المكان إلى فضاء اجتماعي يُمجد السهر والاختلاط بوصفهما قيمة بحد ذاتها. الموكتيل هنا ليس بديلًا بريئًا، بل أداة تطبيع ثقافي؛ قناع يسمح بتمرير المشهد بكامله دون إثارة مقاومة مباشرة. ما يُروَّج له هو العادة، لا المكوّن، لأن العادة إذا استقرّت سهل لاحقًا تعديل القاعدة.

توسيع الوصول إلى الكحول: صمتٌ إداري وتحوّل فعلي

بالتوازي مع هذه الهندسة الناعمة للذوق، تتقدّم خطوات عملية على الأرض: فتح قنوات منظمة لبيع الكحول للأجانب بشروط دخل محددة، توسيع نقاط الوصول بهدوء، وتخفيف القيود الإجرائية تحت عنوان “تنظيم” لا “إباحة”. الصياغة حذرة، التنفيذ متدرّج، والنتيجة واحدة: إدخال الكحول إلى المجال الاستهلاكي الرسمي بوصفه خدمة لا قضية. هذا المسار لا يُطرح للنقاش العام، ولا يُرافقه إطار تفسيري شفاف، بل يُدار إداريًا كما تُدار أي سلعة أخرى، بما يُحوّل المحظور تاريخيًا إلى تفصيل تنظيمي.

المطاعم الفاخرة كمنصّات تطبيع

تحوّلت المطاعم الراقية إلى مختبرات اجتماعية تُجرّب فيها الدولة والقطاع الخاص حدود الذوق العام. استقدام أبطال عالميين في “تحضير المشروبات” للترويج للموكتيل ليس حدثًا ترويجيًا عاديًا، بل رسالة رمزية: الشرعية تُستمد من “العالمية”، والقبول يُصنع عبر الخبرة الأجنبية. الاسم، الديكور، العروض، وحتى لغة الدعوة “تعالوا وشاهدوا بأنفسكم”، كلها تؤسس لفكرة أن ما يُعرض ليس خيارًا بين خيارات، بل معيار حداثة يجب اللحاق به.

الفئة المستهدفة: اعتياد بلا مساءلة

السياسة الذوقية الجديدة تخاطب شرائح محددة بوضوح: شباب يُطلب منهم ربط المتعة بالهوية الجديدة، وافدون يبحثون عن نسخة مألوفة من مدنهم داخل الرياض، ونخبة استهلاكية تُقاس مكانتها بقربها من النموذج الغربي. أمّا المجتمع الأوسع، فيُدفع إلى موقع المتفرّج الصامت. الاعتياد هو الأداة الحاسمة: صدمة أولى، ثم تكرار، ثم تطبيع. هكذا يُعاد تعريف “العادي” بلا حوار، وتُختزل الاعتراضات في خانة “الذوق الشخصي” لتفريغها من بعدها العام.

ازدواجية المجال العام: فتح العرض وإغلاق النقد

المفارقة أن هذا الانفتاح الاستعراضي يتزامن مع تضييق المجال العام على أي نقاش أخلاقي أو ثقافي جاد. تُفتح المسارح للمشهد وتُغلق المنابر للسؤال. يصبح المسموح هو الاستهلاك، والممنوع هو المساءلة. حين تُدار التحوّلات بالتمويل والحماية والقرار، لا يعود السوق حرًا ولا الذوق حرًا؛ يتحوّل إلى سوق موجّه، وهندسة ذوق تُفضّل المستهلك الصامت على المواطن السائل.

الكحول كاختبار سيادة ثقافية

القضية لا تتعلق بالكحول بوصفه مشروبًا، بل بوصفه اختبارًا لحدود السيادة الثقافية. حين يُقدَّم بوصفه خدمة للأجانب اليوم، ويُحاط بطقوس البار غدًا، ويُعاد تعريفه تنظيميًا بعد غد، فإن الخط الفاصل بين “تنظيم استثنائي” و“واقع عام” يتآكل. هذا التدرّج ليس صدفة؛ هو أسلوب مُجرَّب لتقليل الكلفة الاجتماعية لأي تغيير جذري عبر توزيع الصدمة على مراحل.

التناقض مع الخطاب الرسمي

الخطاب الذي يُروّج لـ“الخصوصية” و“التدرّج” يصطدم بواقع يُستورد فيه النموذج كاملًا ويُفرض بالواجهة. الخصوصية تُستدعى حين يُسأل عن القيم، وتُنسى حين تُصاغ الفضاءات. التدرّج يُستخدم لتأجيل النقاش لا لإدارته. النتيجة مساحة عامة مُعاد تشكيلها بقرارات فوقية، لا بتوافق اجتماعي.

التطبيع حين يُدار ناعمًا يسبق القانون ما يجري ليس تنوّعًا بريئًا ولا تحديثًا محايدًا، بل مسار تطبيع مُحكم تُدار فيه العادة قبل القاعدة، والصورة قبل النقاش. حين تُستنسخ ثقافة البار تحت لافتة “0%”، وحين يُوسَّع الوصول إلى الكحول بصمت إداري، وحين تُحوَّل المطاعم إلى منصّات اختبار للذوق العام، يصبح السؤال عن الحدود والمعنى ضرورة لا ترفًا. التطبيع الناعم، لأنه بلا إعلان، هو الأخطر؛ يصنع وقائع يصعب التراجع عنها، ويحوّل المجال العام إلى منتج جاهز، لا مساحة يشارك المجتمع في صياغتها

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية