كيف يصنع الخوف من الحاكم مشاريع لا يجرؤ أحد على محاسبته عليها

كيف يصنع الخوف من الحاكم مشاريع لا يجرؤ أحد على محاسبته عليها

في تغريدة موجزة، لخّص كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، مأزق النظام السعودي الحديث:

 ❝من مخاطر الحكم الاستبدادي أن الناس يترددون في قول الحقيقة للحاكم. ولهذا، ينفق ولي العهد السعودي بلا حدود على مدينته الطوباوية ذا لاين في نيوم، بينما يجني المستشارون الغربيون الأرباح، رغم أن احتمال تحوّل رؤيته إلى واقع يكاد يكون معدومًا.❝

ورغم بساطة العبارة، إلا أنها تفتح بابًا واسعًا على جوهر الأزمة السعودية الراهنة: غياب المساءلة، واحتكار القرار، وتحويل الاقتصاد إلى مسرحٍ لتجريب أحلام الحاكم الفرد.

من رؤية وطنية إلى مشروع شخصي

عندما أعلن محمد بن سلمان عن “رؤية 2030″، قُدِّمت كخطة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل. لكن ما لبثت أن تحوّلت إلى مشروع شخصي مُغلَق، تُدار ميزانياته بأوامر فوقية، وتُنفَّذ مشاريعه دون نقاشٍ علني أو رقابة مؤسسية.

في هذا المناخ، اختفى صوت النقد المحلي، وغابت المراجعة الفنية والاقتصادية.

لم يعد أحد يجرؤ على أن يقول إن ذا لاين مشروع غير واقعي، أو إن الاستثمارات المليارية في مدنٍ لم تُبنَ بعد هي مجازفة خطيرة. بل بات كل من يشكك في الجدوى يُتَّهَم بـ”التشاؤم” أو “العداء للوطن”.

وهكذا، صار الصمت هو السياسة الرسمية، والتهليل هو اللغة الوحيدة المسموح بها في المشهد العام.

بيئة بلا رأي تصنع مشاريع بلا منطق

الحكم الفردي لا يُنتج كفاءات، بل شبكات ولاء، تدور حول ما يُريده الحاكم لا ما يحتاجه البلد.

فحين يغيب النقاش، تتضخم الأوهام:

  • يُنفق المليارات على “مدن المستقبل” دون وجود سكانٍ حقيقيين.
  • تُمنح عقود الاستشارات لشركات أجنبية تعرف أن المشروع غير قابل للتنفيذ لكنها تتربح من استمراره.
  • تُنشأ وزارات وهيئات جديدة لتبرير الإنفاق لا لتقييمه.

النتيجة، كما يقول كينيث روث، أن الاستبداد يخلق دوائر من الصمت المربح:

المستشار الغربي يمدح، المسؤول المحلي يصفّق، والخزينة تدفع.

أما من يتساءل عن الجدوى أو يسأل: “أين العائد؟” فيجد نفسه خارج المنظومة أو داخل السجن.

“ذا لاين”: الحلم الذي لا يجرؤ أحد على نقده

لا أحد يعرف بدقة أين وصلت أعمال “ذا لاين”، ولا كم أُنفق عليه فعليًا، ولا ما هي خطة استرداد التكلفة.

كل ما يُعرف هو أن المشروع ابتلع مليارات الدولارات من المال العام، وأن عشرات الشركات الأجنبية انسحبت أو جمّدت أعمالها.

لكن داخل السعودية، لا يُسمح لأحد أن يصف المشروع بالفشل أو حتى بالتأخر.

الحديث عن “إبطاء وتيرة العمل” يُستبدل بعبارة “إعادة هيكلة الرؤية”، والديون تُسمّى “استثمارًا طويل الأمد”، والعجز يُبرر بـ”الظروف العالمية”.

الكل يعرف الحقيقة، لكن لا أحد يقولها.

عندما تصبح “الجرأة” جريمة

في الأنظمة المفتوحة، يُناقَش الفشل، ويُحاسَب المخطئون، وتُعدّل الخطط.

أما في الأنظمة المغلقة، فالنقد يُعدّ تهديدًا للهيبة، والمحاسبة تُعتبر خيانة للثقة. ولهذا لا يجرؤ الاقتصاديون السعوديون، ولا المهندسون، ولا حتى الأكاديميون في الجامعات الرسمية على مناقشة جدوى “رؤية 2030” علنًا.

النتيجة: البلاد تُدار كمنشأة خاصة لا كدولة، يُقرِّر رأسها وحده إلى أين تذهب الأموال ومتى تُعلن النجاحات الوهمية.

وما دام الإعلام صامتًا والبرلمان غير موجودٍ فعليًا، فإن أحدًا لا يستطيع مساءلة الحاكم عن مليارات المشاريع التي تتبخر بلا أثر اقتصادي حقيقي.

المستشارون الغربيون: المستفيدون من الصمت

الشركات الاستشارية الغربية — من “ماكنزي” إلى “بوسطن كونسلتنغ” — تعلم جيدًا أن كثيرًا من هذه المشاريع غير قابلة للحياة، لكنها تعيش على استدامة الوهم.

كل تعديل في الخطة، كل “إعادة هيكلة”، يعني عقدًا جديدًا، وتقريرًا جديدًا، وأتعابًا جديدة.

في غياب المساءلة، يتحول الفشل إلى دورة عمل مستمرة، يربح فيها الغرب ملايين الدولارات بينما يخسر السعوديون أجيالًا من الثروة الوطنية.

هذه ليست صدفة، بل نتيجة منطقية لغياب الشفافية، ولوجود حاكمٍ لا يُقال له “لا”.

رؤية 2030 بدأت كبرنامج اقتصادي، لكنها انتهت كحملة تسويقية سياسية. أصبحت العلامة التجارية لابن سلمان في الداخل والخارج؛ يُقدّمها للعالم كدليل انفتاح، بينما تُستخدم في الداخل كغطاءٍ للإنفاق والتجميل. مشروع لبناء صورة، لا لبناء اقتصاد. ولذلك، لا يهم إن تحققت أهدافها فعلاً، بل أن تبقى واجهة مشرقة للنظام مهما كان الواقع مظلمًا.

حين يختنق الصدق ينهار الحلم من الداخل

كلمات كينيث روث لم تكن نقدًا فنيًا لمشروع عمراني، بل تشخيصًا لخللٍ سياسيٍ عميق:

حين يُمنَع الناس من قول الحقيقة، تتكاثر الأخطاء بلا رقيب، وتُبنى المدن على الرمال، وتُدار المليارات بعقلية “لا تُناقش، نفّذ فقط”. ولعلّ “ذا لاين” ليست مجرد مدينةٍ معلّقة بين الجبال، بل رمزٌ لنظامٍ يعيش على المديح ويخاف من الحقيقة.

وحين تخاف السلطة من سماع النقد، تكون النهاية دائمًا واحدة:

مشروعٌ ضخمٌ بلا جدوى، ومستقبلٌ يُباع للخيال.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية