في الذكرى العشرين لتأسيس اللجنة السعودية لحقوق الإنسان، تكشف عشر منظمات حقوقية أن الهيئة التي قُدّمت للعالم باعتبارها “مستقلة” لم تكن سوى أداة دعائية بيد النظام. تقريرها المشترك جاء بعنوان فاضح: “اللجنة السعودية لحقوق الإنسان: 20 عامًا من تلميع سجل المملكة”، ليضع النقاط على الحروف: لا تحقيقات، لا محاسبة، ولا إنصاف للضحايا، فقط دعاية سياسية تبرر القمع المتصاعد باسم الإصلاح والانفتاح.
مؤسسة وُلدت تابعة للسلطة
منذ تأسيسها عام 2005 بمرسوم ملكي، كانت اللجنة تُسوّق نفسها كهيئة مستقلة ترصد أوضاع حقوق الإنسان وترفع تقاريرها مباشرة للملك. لكن الحقيقة أن هذا “الارتباط المباشر بالملك” جعلها ذراعًا إضافية للنظام بدل أن تكون أداة رقابة عليه. لم تُصدر اللجنة أي تقارير موضوعية جريئة، ولم تتحرك لإنصاف ضحايا الاعتقالات أو الإعدامات، بل التزمت الصمت، أو الأسوأ، شاركت في ترديد رواية الحكومة.
شهادات عائلات سجناء بارزين مثل مناهل العتيبي ومحمد القحطاني تكشف الصورة القاتمة: اللجنة لم تستجب لشكاواهم، بل أعاقت محاولاتهم لإيصال أصواتهم. هذا الصمت لم يكن تقصيرًا عابرًا، بل سياسة ممنهجة: إغلاق الأبواب أمام ضحايا القمع، وتحويل المؤسسة التي يُفترض أن تكون ملاذًا لهم إلى حاجز إضافي يعمّق معاناتهم.
الصمت على مقصلة الموت
ما يثير الفزع هو أن اللجنة تجاهلت موجة الإعدامات الدموية التي نفذها النظام. بين يناير وأغسطس 2025 وحدها، أُعدم 272 شخصًا، أكثر من نصفهم من الأجانب، بينهم العشرات من الأقلية الشيعية. ورغم الانتقادات الدولية وتدخل خبراء الأمم المتحدة، لم تصدر اللجنة تعليقًا واحدًا. في دولة تعدم العشرات في يوم واحد كما حدث عام 2022، يصبح صمت “اللجنة الحقوقية” تواطؤًا صريحًا مع آلة الموت الرسمية.
ناشطات خلف القضبان ولجنة صماء
من لجين الهذلول التي ما زالت تواجه قيودًا رغم الإفراج عنها، إلى مناهل العتيبي التي تقبع خلف القضبان بسبب نشاط سلمي على الإنترنت، مرورًا بعشرات المدافعات عن حقوق المرأة، تفضح هذه القضايا زيف رواية الإصلاح. لكن اللجنة اختارت أن تصم أذنيها، متجاهلة الاعتقالات التعسفية وحظر السفر والمضايقات المستمرة. بدلًا من الدفاع عن المدافعين عن الحقوق، أصبحت اللجنة غطاءً لتبرير قمعهم.
متحدث رسمي في المحافل الدولية
على الساحة الدولية، لعبت اللجنة دور “المندوب الرسمي” أكثر من كونها هيئة مستقلة. في الاستعراض الدوري الشامل الرابع بمجلس حقوق الإنسان عام 2024، رفضت اللجنة توصيات أساسية تتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، وحماية النشطاء، والتصديق على معاهدات دولية. بل ذهبت أبعد من ذلك عندما أنكرت أمام لجنة القضاء على التمييز العنصري وجود تمييز ضد الشيعة، واحتفت أمام لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة بما وصفته “إصلاحات”، متجاهلة تمامًا استمرار الاعتقالات والقمع.
غياب الشرعية الدولية
وفق المعايير الدولية، أي مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان يجب أن تلتزم بـ مبادئ باريس التي تضمن استقلاليتها. اللجنة السعودية لم تسعَ حتى للحصول على اعتماد من التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ما يعفيها من أي رقابة دولية. هذا الاختيار ليس صدفة، بل مقصودًا لضمان بقاء اللجنة رهينة القصر الملكي، بعيدة عن أي التزام بالمعايير العالمية.
شراكات تلميع لا محاسبة
رغم سجلها الكارثي، تواصل اللجنة توقيع مذكرات تفاهم مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وتستضيف برامج تدريبية تُسوّق على أنها “تعاون مثمر”. لكن المنظمات الحقوقية تحذر: هذه الشراكات لا تخدم الضحايا، بل تمنح اللجنة شرعية زائفة وتُستخدم كغطاء دبلوماسي يبرئ النظام من جرائمه. حتى الحوارات بين الاتحاد الأوروبي والسعودية اختُتمت دون أي نقاش جاد حول الانتهاكات الممنهجة، وهو ما يكشف حجم التواطؤ الدولي في تلميع الصورة.
نمط ثابت من التجميل الدعائي
اللجنة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة مؤسسات وكيانات أنشأها النظام لتجميل وجهه أمام الخارج. من مجالس “الإصلاحات” الاقتصادية إلى مبادرات “تمكين المرأة”، كلها تُسوّق على أنها قفزات تاريخية بينما حقيقتها أنها مشاريع تجميلية. وفي كل مرة، يكون الثمن باهظًا: المزيد من القمع في الداخل، والمزيد من الإنفاق على الحملات الدعائية في الخارج.
لجنة بلا حقوق مؤسسة بلا إنسانية
عشرون عامًا على تأسيس اللجنة السعودية لحقوق الإنسان لم تُنتج سوى المزيد من التواطؤ والتلميع. لم تحقق استقلالية، لم تحمِ الضحايا، لم تصدر تقارير جادة، ولم تواجه القمع، بل تحولت إلى جزء من آلة الدعاية التي تغطي على الانتهاكات.
“اللجنة السعودية لحقوق الإنسان.. عشرون عامًا من الصمت على الدماء وتلميع القمع بدلًا من مواجهته.”






