«ما بعد أوهام نيوم»: تجميد صامت لمشاريع ابن سلمان بعد جفاف السيولة

 «ما بعد أوهام نيوم»: تجميد صامت لمشاريع ابن سلمان بعد جفاف السيولة

بعد خمس سنوات من الدعاية المتواصلة لمشروع نيوم بوصفه “مدينة المستقبل”، تكشف تقارير بلومبيرغ أن المشروع العملاق يعيش مرحلة “تجميد فعلي”، مع توقف شركات إنشاءات سعودية عن العمل وتخفيض وتيرة التشغيل إلى الحد الأدنى في ذا لاين، الشريان الرئيسي لنيوم.

تقول بلومبيرغ بوضوح:

“شركات مقاولات سعودية أوقفت أعمالها أو خفّضت نشاطها بانتظار قرار بشأن مستقبل المشروع.”

إنه أول اعتراف دولي صريح بأن المشاريع الطموحة اصطدمت بجدار الواقع المالي، وأن خزينة الدولة — رغم الإنفاق الأسطوري — بدأت تعاني من جفاف السيولة حتى في النظام المصرفي المحلي.

مشاريع الأحلام تنهار بصمت

لطالما قدّمت الحكومة السعودية مشروع نيوم كرمز لـ“التحول الوطني”، لكن خلف الواجهات الدعائية المبهرة، بدأت الآلة تتباطأ.

بلومبيرغ نقلت عن مصادر مطلعة أن شركة إنشاءات سعودية كبرى أوقفت عملها بالكامل،

بينما أبقت أخرى على تشغيل محدود للآلات والعمال،

في انتظار “توجيهات جديدة” من الديوان الملكي حول مصير المشروع.

مصادر اقتصادية تؤكد أن ما يحدث ليس مجرد “إعادة هيكلة”، بل تراجع اضطراري فرضته أزمة التمويل وتراكم الالتزامات.

جفاف السيولة بعد سبع سنوات من الإنفاق المفرط

يشير التقرير إلى أن القطاع البنكي السعودي يعاني من نقص سيولة حاد نتيجة سحب حكومي ضخم لتمويل المشاريع العملاقة.

حتى البنوك الخاصة باتت تقترض من الخارج لتغطية الالتزامات المحلية، فيما تجاوز العجز المالي الحكومي 65 مليار دولار لعام 2025 — وهو ضعف التقديرات السابقة التي أعلنتها وزارة المالية.

هذا العجز يوازي أكبر مستويات الإنفاق منذ إطلاق رؤية 2030، ويكشف أن “التنمية الموعودة” تحوّلت إلى نزيف مالي بلا مردود فعلي.

تؤكد بلومبيرغ أن العرض الجديد الذي قدّمته السعودية للمستثمرين الأجانب يُظهر تحوّلًا استراتيجيًا في أولويات الدولة:

التركيز لم يعد على نيوم، بل على مشاريع الذكاء الاصطناعي مثل “هيومين”،الذي تبلغ ميزانيته المبدئية نحو 10 مليارات دولار.

لكن هذا التحول — رغم مظهره “التكنولوجي” — يُقرأ في الأسواق على أنه هروب من فشل نيوم لا تطور في الرؤية. فالمملكة باتت تطرح مشاريع جديدة كل عام دون تحقيق عائد ملموس من القديمة، في نمط أقرب إلى “الإنعاش الإعلامي” منه إلى التخطيط الاقتصادي.

من الطموح إلى العبء

مشروع نيوم، الذي كان من المفترض أن يجذب استثمارات عالمية،تحوّل اليوم إلى عبء ثقيل على المالية العامة. الوعود بمدن ذكية وناطحات أفقية بطول 170 كيلومترًا تبدو اليوم ضربًا من الخيال أمام واقع الإنفاق المتضخم والعائد شبه المعدوم.

إحدى الشركات المنسحبة وصفت الوضع لبلومبيرغ بقولها:

“كل شيء ينتظر إشارة من الأعلى. لا أحد يعرف ما إذا كان المشروع سيُستأنف أم يُقلّص.”

تجميد أعمال نيوم لا يعني نهاية مشروع واحد، بل بداية انكشاف الرؤية الاقتصادية بأكملها. فالنموذج القائم على المشاريع الضخمة الممولة من العائدات النفطية لم يعد قابلًا للاستمرار، خصوصًا مع تراجع أسعار النفط دون مستوى التعادل البالغ 90 دولارًا للبرميل.

كما أن القطاع الخاص لم يشارك بالحجم المتوقع، إذ تخوّف المستثمرون من غياب الشفافية وارتفاع المخاطر السياسية.

النتيجة: الدولة تنفق وحدها، وتتحمل الخسائر وحدها، بينما تتآكل احتياطاتها وتُجمّد المشاريع واحدًا تلو الآخر.

منذ 2017، بُنيت “رؤية 2030” على رواية إعلامية صلبة:

صور مستقبلية، أرقام فلكية، ومؤتمرات براقة. لكن هذه الرواية بدأت تتهاوى أمام الحقائق المالية. بلومبيرغ — وهي من أكثر المنابر قربًا من الأوساط الاقتصادية الدولية — استخدمت هذه المرة عبارات مثل “إرهاق الخزينة” و“جفاف السيولة”، ما يعني أن الإنذار لم يعد يأتي من المعارضين بل من الأسواق نفسها.

عندما ينطفئ وهج الدعاية

تجميد نيوم هو لحظة فارقة في مسار رؤية 2030. إنه ليس قرارًا إداريًا مؤقتًا، بل اعتراف غير معلن بأن الحلم تجاوز قدرة الواقع. وبينما يواصل الإعلام الرسمي الحديث عن “مدن المستقبل”، تتوقف الرافعات، وتُطوى الخطط، ويبدأ العدّ العكسي لمرحلة ما بعد الأوهام.

فالمملكة التي أرادت بناء “مدينة لا تشبه أي شيء في العالم”، تجد نفسها اليوم أمام سؤال أكثر بساطة وإلحاحًا: من سيموّل الغد إذا نضب النفط وتراكمت الديون؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية