محمد بن سلمان يعود إلى واشنطن غسيل سمعة على بساط ترامب الأحمر

محمد بن سلمان يعود إلى واشنطن غسيل سمعة على بساط ترامب الأحمر

سبع سنوات كانت كافية لتُظهر أن ذاكرة السياسة الأمريكية قصيرة، وأن المال والصفقات أقوى من المبادئ ودماء الصحفيين. فمحمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، الذي كان منبوذًا في أروقة واشنطن عقب مقتل الكاتب الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول عام 2018، يستعد الآن للعودة إلى العاصمة الأمريكية في نوفمبر المقبل، ليجلس وجهًا لوجه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكأن شيئًا لم يكن.

اللقاء، وفق مصادر بلومبيرغ، ليس مجرد زيارة بروتوكولية، بل هو مسرحية سياسية مكتملة الأركان، تهدف إلى إعادة تأهيل صورة ابن سلمان في الساحة الأمريكية، وفتح صفحة جديدة مع إدارة حليفة تعودت على مقايضة القيم بالدولارات.ويصف أحد المحللين في واشنطن بوست هذا اللقاء بأنه “أكبر عملية تبييض سياسي منذ زيارة القذافي إلى باريس”، معتبرًا أن ما يحدث “إشارة واضحة إلى أن المال يطغى على كل شيء في السياسة الدولية”.

من المنبوذ إلى ضيف الشرف

عقب جريمة اغتيال خاشقجي، التي حمّلت تقارير استخباراتية أمريكية مسؤوليتها المباشرة لابن سلمان، تحوّل الأخير إلى شخصية غير مرغوب فيها في معظم الدوائر السياسية والإعلامية الأمريكية. شركات كبرى ألغت عقودها مع الرياض، سياسيون طالبوا بفرض عقوبات، ومؤسسات فكرية أغلقت أبوابها أمام الوفود السعودية.

لكن تلك “المقاطعة الأخلاقية” لم تصمد طويلًا. النفط، وصفقات السلاح، والاستثمارات الضخمة في وول ستريت وسيليكون فالي، كانت كفيلة بتآكل جدار العزلة، حتى جاء ترامب – في ولايته السابقة – ليُعيد وصل ما انقطع، مدفوعًا برغبته في الحفاظ على شريك اقتصادي وأمني ذهبي.

الآن، ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، يبدو أن ابن سلمان يرى اللحظة مواتية لاستكمال عملية غسيل السمعة على أعلى مستوى، بزيارة علنية تُظهره وكأنه شريك طبيعي وموثوق لواشنطن.

لقاء مصالح لا مبادئ

من الواضح أن هذه الزيارة ليست سوى صفقة سياسية مقنّعة. ترامب يحتاج إلى تدفق الأموال السعودية لدعم اقتصاده ومشاريعه الكبرى، وخاصة في مجال الطاقة والبنية التحتية، فيما يحتاج ابن سلمان إلى إعادة إدماجه في المشهد السياسي الأمريكي الرسمي، بعد سنوات من الظهور في الظل أو عبر قنوات خلفية.

التحالف بين الرجلين قائم على براغماتية باردة: لا حديث عن حقوق الإنسان، ولا عن الديمقراطية، ولا عن حرية الصحافة. كل ما يهم هو المصالح المتبادلة، وصورة المصافحة أمام عدسات الكاميرات، التي ستُسوّق في الرياض كدليل على “استعادة المكانة” وفي واشنطن كبرهان على “استقرار العلاقات”.

خاشقجي الضحية الغائب الحاضر

رغم مرور سبع سنوات على مقتل جمال خاشقجي، فإن اسمه سيظل شبحًا يطارد ابن سلمان في كل زيارة للغرب، خاصة إلى واشنطن. اللقاء المرتقب يطرح سؤالًا أخلاقيًا قاسيًا: كيف يمكن لرئيس أمريكي أن يستقبل شخصًا تتهمه أجهزة بلاده الأمنية بالتورط في جريمة قتل بشعة لصحفي مقيم في الولايات المتحدة؟

الإجابة ببساطة: بالمال والصفقات. إدارة ترامب لم تُخفِ يومًا أن مصالحها الاقتصادية تفوق أي اعتبارات أخرى، وأن شراكتها مع السعودية تُقاس بحجم الاستثمارات ومبيعات الأسلحة، لا بعدد الأرواح التي أُزهقت أو الحقوق التي انتُهكت.

التوقيت ورقة ضغط سياسية

اختيار نوفمبر 2025 للزيارة ليس اعتباطيًا. فهو يأتي في وقت تسعى فيه السعودية لتعزيز تحالفاتها وسط توترات إقليمية متصاعدة، وأزمة داخلية صامتة بسبب تباطؤ الاقتصاد وتراجع أداء الأسواق السعودية. كما يأتي في لحظة يحتاج فيها ترامب إلى استعراض إنجازاته في السياسة الخارجية، وإبراز تحالفاته مع قادة أقوياء قادرين على ضخ الأموال في الاقتصاد الأمريكي.

هذا التزامن يمنح الزيارة طابع الصفقة السياسية الشاملة: دعم سعودي للولايات المتحدة اقتصاديًا وأمنيًا، مقابل حماية سياسية ودبلوماسية لولي العهد من أي مساءلة أو انتقادات على المستوى الدولي.

ردود الفعل انقسام أمريكي وامتعاض حقوقي

من المتوقع أن تثير هذه الزيارة موجة من الجدل داخل الولايات المتحدة. فالمؤسسات الحقوقية، وعلى رأسها “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية”، ستستغل الحدث لإعادة تسليط الضوء على سجل السعودية الحقوقي المظلم: الإعدامات، قمع المعارضين، سجن النشطاء، والتضييق على الحريات.

لكن في المقابل، سيتعامل اللوبي الصناعي والعسكري الأمريكي مع الزيارة كفرصة ذهبية لتوقيع عقود بمليارات الدولارات، من صفقات أسلحة متطورة إلى مشاريع في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي. وكما جرت العادة، سيتغلب صوت المصالح على صوت المبادئ.

محلل سياسي أمريكي في شبكة NBC يعلق: “ترامب ينظر لابن سلمان كزبون ذهبي، لا كحليف سياسي؛ زبون قادر على توقيع شيكات بمليارات الدولارات، وشراء أسلحة ومشاريع، وهذا وحده يكفي لتجاوز أي ملفات مزعجة”.

ترامب وبن سلمان تحالف بلا أقنعة

منذ لقائهما الأول في 2018، أظهر ترامب إعجابًا بابن سلمان باعتباره “رجلًا يعرف ما يريد”، في إشارة إلى قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة دون اكتراث للمعارضة الداخلية أو الدولية. وبالمثل، وجد ابن سلمان في ترامب زعيمًا يتحدث لغة الصفقات ويغض الطرف عن الملفات المزعجة.

هذا التوافق في أسلوب الحكم والإدارة يجعل من تحالفهما السياسي أمرًا طبيعيًا، لكنه أيضًا يكشف عن القاسم المشترك الأخطر: كلاهما لا يرى السياسة كخدمة عامة بقدر ما يراها كإدارة أعمال، حيث تُقاس النجاحات بالأرباح لا بالقيم.

غسيل السمعة على الطريقة السعودية

زيارة نوفمبر المرتقبة تمثل ذروة استراتيجية ابن سلمان في إعادة بناء صورته عالميًا: إنفاق مليارات على الفعاليات الرياضية والثقافية، شراء أندية أوروبية، إطلاق مشاريع “رؤية 2030” العملاقة، وأخيرًا، العودة إلى عناق الحليف الأمريكي الأكبر أمام عدسات العالم.

لكن مهما كانت براعة الإخراج، فإن الحقيقة لا تتغير: خلف الابتسامات والمصافحات، هناك سجل ثقيل من الانتهاكات والجرائم التي لم تُمحَ من ذاكرة الضحايا ولا من أرشيف التاريخ.

واشنطن ترحب والعدالة تغيب

اللقاء بين محمد بن سلمان ودونالد ترامب في واشنطن سيكون لحظة سياسية فارقة، لكنها أيضًا شهادة جديدة على أن النظام الدولي الذي يرفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان لا يتردد في التخلي عنها إذا كان الثمن مناسبًا.

بالنسبة لابن سلمان، ستُسوّق الزيارة داخليًا كدليل على الانتصار الدبلوماسي وكسر العزلة، وبالنسبة لترامب، ستكون ورقة قوة في إثبات قدرته على استقطاب الحلفاء الأثرياء. أما بالنسبة لذكرى جمال خاشقجي، وللحقوق والحريات في السعودية، فستظل هذه الزيارة مجرد جرح جديد يضاف إلى سجل طويل من خيبات الأمل.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية