أعلنت وزارة الداخلية السعودية تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطن جلال بن حسن لباد في المنطقة الشرقية، متهمةً إياه بارتكاب “جرائم إرهابية”، بينها قتل قاضٍ في القطيف والانضمام إلى منظمة إرهابية أجنبية. الحكم نُفّذ رغم اعتراضات المنظمات الحقوقية التي أكدت أن لباد كان قاصرًا وقت ارتكاب التهم المزعومة، ورغم دعوات خبراء الأمم المتحدة لوقف التنفيذ.
لم يعد خبر الإعدامات في السعودية يثير الدهشة بحد ذاته، لكن إعدام جلال بن حسن لباد — الذي ارتكب التهم الموجهة إليه وهو قاصر — يمثّل صفعة مباشرة لكل القوانين الدولية، وتحديًا صارخًا لكل من يزعم أن المملكة تسير نحو “إصلاح” أو “انفتاح”. هذه ليست مجرد قضية فردية، بل نموذج فاضح لعدالة مسيّسة، وقضاء خاضع لإرادة سياسية لا تعرف سوى لغة الدم.
قاصر أمام المقصلة: كسر للمواثيق الدولية
أكبر ما يثير الصدمة أن لباد كان دون الثامنة عشرة عندما وُجهت له التهم. هذا التفصيل وحده يكفي لإثارة جدل عالمي، لأن القانون الدولي، وبالأخص اتفاقية حقوق الطفل التي وقّعت عليها السعودية، تحظر بشكل قاطع استخدام عقوبة الإعدام ضد القُصّر. ومع ذلك، تجاهلت الرياض التزاماتها الدولية، وقررت المضي في التنفيذ، متجاوزة كل الأصوات التي حذرت من أن الخطوة تمثل جريمة مضاعفة: قتل إنسان ومحاولة دفن القانون الدولي معه.
محاكمات غامضة وتهم مطاطية
البيان الرسمي اكتفى بالقول إن لباد ارتكب “جرائم إرهابية”، من بينها قتل قاضٍ في القطيف ومهاجمة قوات الأمن. لكن غياب تفاصيل المحاكمة ورفض السلطات الكشف عن الأدلة يجعل من الصعب تقييم مصداقية هذه المزاعم. الأدهى أن العفو الدولية تحدثت عن قرار سري من المحكمة العليا لتأييد حكم الإعدام، ما يعكس حالة التعتيم المتعمد التي تحيط بقضايا من هذا النوع.
التهم المتعلقة بـ”الانضمام إلى منظمة إرهابية أجنبية” أو “استهداف قوات الأمن” تُستخدم بشكل متكرر في السعودية لتجريم أي معارضة، حيث يصبح النشاط السياسي أو حتى التعبير العلني عن المظلومية وقودًا لاتهامات تصل إلى “الإرهاب”.
السعودية تتحدى العالم
منظمة العفو الدولية نددت، وخبراء الأمم المتحدة دعوا إلى وقف التنفيذ، لكن كل ذلك لم يمنع الرياض من المضي قدمًا. بل إن الأمر يوحي بأن السعودية تتعمد تحدي المجتمع الدولي، متسلحة بغطاء سياسي واقتصادي يوفره تحالفها مع القوى الكبرى. هنا تكمن خطورة أخرى: أن يتحول الإفلات من العقاب إلى قاعدة، حيث تستطيع المملكة تجاهل التزاماتها الدولية دون أن تخشى عواقب حقيقية.
أرقام مفزعة: الإعدامات في صعود
ما يزيد القلق أن هذه الحادثة تأتي ضمن سياق تصاعدي. السعودية في طريقها لتجاوز رقم قياسي بلغ 338 عملية إعدام العام الماضي، وهو الأعلى منذ بدء التوثيق في التسعينيات. هذه الوتيرة المتصاعدة لا تعكس فقط قسوة النظام، بل تصميمه على جعل المقصلة أداة يومية لإدارة الدولة.
دولة تُدار بالمشانق لا بالقانون
ما جرى مع جلال لباد ليس مجرد قضية جنائية؛ إنه إعلان رسمي بأن السعودية في عهد محمد بن سلمان تُدار بالمشانق، وأن المقصلة صارت لغة الدولة في مواجهة أي معارضة، حتى لو كانت مجرد تغريدة أو شبهة سياسية.
إعدام جلال لباد يُسقط ورقة التوت الأخيرة عن خطاب “الإصلاح والانفتاح” الذي يتباهى به محمد بن سلمان. لا معنى لحديث عن الترفيه، أو مشاريع بمليارات الدولارات، بينما الدولة تواصل قتل مواطنيها — حتى القُصّر — باسم “الأمن القومي”.






