مقصّ الرقابة لا يحجب الدم: حين تُعاد كتابة الحقيقة في اللحظة الأخيرة

مقصّ الرقابة لا يحجب الدم: حين تُعاد كتابة الحقيقة في اللحظة الأخيرة

في واقعة حديثة، حذفت صحيفة “عرب نيوز” فقرة كاملة من تقرير كانت قد نشرته بالاستناد إلى مادة لوكالة الأنباء الفرنسية (AFP) حول تقرير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) بشأن أعداد الصحفيين القتلى في عام 2025. الفقرة المحذوفة كانت تشير صراحةً إلى إعدام الصحفي تركي الجاسر داخل السعودية، وتوصيف لجنة حماية الصحفيين للتهم الموجهة إليه باعتبارها “ادعاءات ملفقة تتعلق بالأمن القومي والجرائم المالية” تُستخدم لمعاقبة الصحفيين. هذا التقرير يتناول تحديدًا واقعة حذف تلك الفقرة من المقال المنشور، وما تعكسه من نمط متكرر في إدارة المعلومات الحساسة.

في زمن تُقاس فيه مصداقية الدول بقدرتها على تحمّل النقد، لا بإتقانها لحذفه، تكشف واقعة حذف فقرة من تقرير صحفي منشور عن نمط مألوف: إدارة السمعة عبر المقصّ، لا عبر المساءلة. ما حدث ليس خطأً تقنيًا عابرًا في غرفة تحرير، بل فعلٌ دالّ على علاقة مضطربة مع الحقيقة. تقرير يتناول أرقامًا قياسية لقتل الصحفيين عالميًا، يتضمّن إشارة إلى إعدام صحفي داخل البلاد وفق ما وثّقته جهة دولية مستقلة، ثم تُمحى الفقرة بصمت. هكذا تُصاغ الرواية الرسمية: ما لا يُقال، لا يوجد.

اللافت أن المادة الأصلية كانت منقولة عن وكالة دولية، ما يجعل الحذف أكثر وضوحًا. فالتقارير المعتمدة على وكالات تُنشر عادةً بصيغتها شبه الكاملة، وأي تدخل لاحق يعكس قرارًا واعيًا لا سهوًا عابرًا. حذف فقرة تتعلق بإعدام صحفي بعد إدانته بتهم وصفتها لجنة حماية الصحفيين بأنها “ادعاءات ملفقة تتعلق بالأمن القومي والجرائم المالية”، لا يمكن قراءته إلا كإدارة للأذى المعنوي الذي تُحدثه المعلومة في صورة الدولة.

الرواية الرسمية مقابل الذاكرة العامة

محاولة إعادة صياغة الحدث أو إخفائه لا تلغي وقوعه، بل تُعمّق الشكوك حوله. حين تُحذف إشارة إلى واقعة موثقة من تقرير يتناول حرية الصحافة، يصبح السؤال أوسع من فقرة محذوفة: هل المطلوب هو نفي الحدث أم محو أثره؟ الفارق بين الاثنين كبير؛ الأول يقتضي تفنيدًا قانونيًا علنيًا، والثاني يراهن على النسيان.

الرهان على النسيان قصير الأجل. الذاكرة الرقمية لا تُمحى بسهولة، والنسخ المؤرشفة واللقطات المحفوظة تعيد ما حُذف. كل تدخل من هذا النوع يضيف طبقة جديدة إلى سردية “التحكم بالرواية”، ويمنح النقّاد مادة إضافية للقول إن المشكلة ليست في الخبر، بل في الطريقة التي يُدار بها.

ليست هذه الواقعة الأولى التي يُثار فيها جدل حول إدارة المعلومات المتعلقة بالصحفيين داخل المملكة. اغتيال جمال خاشقجي عام 2018 مثّل لحظة فارقة عالميًا، لا بسبب فداحة الجريمة فحسب، بل بسبب المسار المتقلّب للروايات الرسمية في الأيام الأولى: إنكار، ثم اعتراف تدريجي، ثم روايات متباينة حول المسؤوليات. تلك التجربة رسّخت في الوعي الدولي انطباعًا بأن المعلومات الحساسة لا تُكشف دفعة واحدة، بل تُدار وفق مقتضيات اللحظة.

كما أن قضايا تتعلق بتوقيف كتّاب ومدونين ومحاكمتهم بتهم فضفاضة مرتبطة بـ“الأمن القومي” أو “الإضرار بالوحدة الوطنية” أثارت مرارًا انتقادات منظمات دولية. في كل مرة، كانت الاستجابة الرسمية تميل إلى التأكيد على “استقلال القضاء” و“سيادة القانون”، بينما يُحجب النقاش العلني حول تفاصيل المحاكمات وضماناتها. هذا التباين بين الخطاب والشفافية الفعلية يُنتج فجوة ثقة تتسع مع كل حادثة.

الأمن القومي كعبارة جامعة

من أخطر ما في الفقرة المحذوفة أنها لامست استخدام مفاهيم الأمن القومي والجرائم المالية في سياق معاقبة العمل الصحفي. سواء اتفقت السلطات مع توصيف لجنة حماية الصحفيين أم رفضته، فإن النقاش حول حدود هذه المفاهيم مشروع في أي دولة تسعى إلى تحديث صورتها. حذف الإشارة بدل الرد عليها يُغلق باب النقاش ويُبقي الاتهام معلقًا.

الأنظمة التي تتعامل بثقة مع مؤسساتها لا تخشى الإشارة إلى الانتقادات، بل ترد عليها. أما حين يُفضّل الحذف، فذلك يوحي بأن المشكلة ليست في صحة المعلومة فحسب، بل في حساسيتها الرمزية. الإقرار بوجود انتقاد دولي، حتى لو رُفض مضمونه، أصدق من تجاهله.

تكلفة المقصّ أعلى من كلفة الخبر

قد يبدو حذف فقرة إجراءً بسيطًا يحمي من إحراج آني، لكنه يحمل كلفة تراكمية. في عصر تتنافس فيه الدول على استقطاب الاستثمارات والسياحة والمواهب، تصبح حرية الإعلام مؤشرًا أساسيًا على البيئة المؤسسية. المستثمرون والشركاء الدوليون لا يكتفون بمؤشرات الاقتصاد، بل ينظرون إلى جودة الحوكمة وشفافية المعلومات. كل حادثة تُقرأ كإشارة إلى أن الخطاب العام خاضع لاعتبارات سياسية ضيقة، ما يرفع تقييم المخاطر المعنوية.

الصحافة ليست خصمًا للدولة؛ هي مرآتها. حين تُكسر المرآة، لا يختفي الانعكاس، بل يتشظى. التحدي الحقيقي ليس في منع نشر انتقاد، بل في بناء منظومة قادرة على تحمّله والرد عليه بالحجج. فالقوة الناعمة تُبنى على الثقة، والثقة تُبنى على الصراحة.

قد يجادل البعض بأن لكل مؤسسة إعلامية حقًا في التحرير والحذف وفق سياساتها. هذا صحيح من حيث المبدأ. لكن الفارق بين التحرير المهني والرقابة السياسية يظهر في طبيعة ما يُحذف. حين يكون المحذوف مرتبطًا بواقعة تمس الدولة مباشرة، ويتكرر النمط في قضايا مشابهة، يصبح من الصعب فصل القرار التحريري عن السياق السياسي.

الشفافية تقتضي، إن كان لا بد من تعديل، توضيحًا للقارئ بأن الفقرة حُذفت لأسباب تحريرية محددة. الصمت يفتح الباب لتفسيرات أكثر حدّة. الإعلام الذي يسعى إلى الحفاظ على مصداقيته يشرح خياراته، لا يكتفي بتنفيذها.

صورة الإصلاح بين الاختبار والإنكار

المملكة قدّمت خلال السنوات الأخيرة نفسها بوصفها في مسار إصلاحي واسع، اجتماعيًا واقتصاديًا. هذا المسار يضعها تحت مجهر دولي دائم. أي تناقض بين خطاب الانفتاح وممارسات كتم المعلومات يُستثمر فورًا من منتقديها. إدارة السمعة عبر الحذف تتعارض مع رواية الإصلاح، لأنها توحي بأن النقد ما زال يُنظر إليه كتهديد لا كجزء من الحوار العام.

الأجدى، من منظور استراتيجي، هو التعامل مع الانتقادات عبر قنوات قانونية وإعلامية واضحة، لا عبر حذفها. الرد المفصل يُظهر ثقة؛ الحذف يُظهر ارتباكًا.

الحقيقة لا تُحذف بل تُؤجَّل

محاولة كتم الحقيقة عبر حذف فقرة قد تمنح ارتياحًا لحظيًا، لكنها لا تُغيّر الواقع ولا تُقنع المتابعين. في زمن الأرشفة الفورية والمشاركة اللامحدودة، تصبح الرقابة ذاتها خبرًا أكبر من الخبر المحذوف. والسؤال الذي يبقى: هل تُدار السمعة بالمقصّ أم بالمصارحة؟ التاريخ القريب يبيّن أن إدارة الأزمات عبر الإنكار أو التعديل المتأخر لا تُنهي الجدل، بل تُطيله. الطريق الأكثر صلابة هو الاعتراف بوجود نقد، والرد عليه بوضوح، وفتح المجال لنقاش قانوني ومؤسسي شفاف. فالدول التي تثق بمؤسساتها لا تخشى الكلمات، لأنها تعلم أن الحقيقة—مهما تأخرت—تجد طريقها إلى العلن

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية