مليارات اشترت سلاحًا حديثًا وجيشًا لم يُبنَ ليحارب: حرب اليمن تفضح ثمن بناء قوة تخشى الداخل أكثر مما تخيف العدو

مليارات اشترت سلاحًا حديثًا وجيشًا لم يُبنَ ليحارب: حرب اليمن تفضح ثمن بناء قوة تخشى الداخل أكثر مما تخيف العدو

مليارات اشترت سلاحًا حديثًا وجيشًا لم يُبنَ ليحارب: حرب اليمن تفضح ثمن بناء قوة تخشى الداخل أكثر مما تخيف العدو
مليارات اشترت سلاحًا حديثًا وجيشًا لم يُبنَ ليحارب: حرب اليمن تفضح ثمن بناء قوة تخشى الداخل أكثر مما تخيف العدو

أخطر ما ورد في التحليلات حول فشل السعودية في حسم حرب اليمن ليس مجرد عجزها عن القضاء على الحوثيين، ولا حتى عودة محمد بن سلمان إلى طلب الغطاء الأمريكي. الأخطر هو الاعتراف الضمني بأن الجيش السعودي صُمم تاريخيًا ليكون أداة حماية للنظام أكثر مما صُمم ليكون آلة حسم خارجية. الترسانة ضخمة، الطائرات حديثة، الميزانيات فلكية، لكن النتيجة بعد أحد عشر عامًا محرجة: خصم أقل ثراءً وعتادًا بكثير ما زال قادرًا على تهديد المملكة إلى درجة تدفع ولي العهد إلى استجداء تدخل واشنطن. هذه ليست قصة نقص في السلاح. هذه قصة فشل في تحويل السلاح إلى قوة، والفشل هنا بنيوي.

شراء الطائرات لا يشتري عقيدة قتالية.. واليمن أثبت أن المليارات لا تصل في صناديق

الوهم الأكبر في الإنفاق العسكري السعودي هو الاعتقاد بأن سعر المعدات يساوي قيمة الجيش. يمكن شراء أحدث مقاتلة أمريكية، وأحدث رادار، وأحدث منظومة دفاع جوي. لكن لا توجد شركة سلاح في العالم تستطيع بيع عقيدة عسكرية متماسكة، أو قيادة موحدة، أو خبرة قتالية حقيقية، أو قدرة على خوض حرب طويلة ومعقدة. هذه الأشياء لا تُشترى. تُبنى. واليمن أثبت أن السعودية أجادت الشراء أكثر مما أجادت البناء. دخلت الحرب عام 2015 بتفوق جوي ومالي ساحق. وبعد أكثر من عقد، الخصم نفسه موجود، وأقوى صاروخيًا ومسيّرًا مما كان عليه عند البداية. الحوثيون لم ينتصروا لأنهم أغنى أو أحدث تسليحًا. انتصروا نسبيًا لأنهم بنوا تنظيمًا مركزيًا متماسكًا، بينما ظل المعسكر الذي تدعمه الرياض منقسمًا ومتناحرًا ومشغولًا بمصالحه المحلية أكثر من مشروع الدولة اليمنية. الطائرة تستطيع تدمير مخزن سلاح. لا تستطيع احتلال قرية وإدارتها. لا تستطيع فرض تسوية سياسية. ولا تستطيع إجبار الفصائل المتنافسة على الاتفاق. الرياض امتلكت السماء، وافتقرت إلى الأرض والسياسة. ولهذا بقيت الحرب مفتوحة، وبقي الحوثي قادرًا على فرض تكلفة مستمرة.

تجزئة الجيش تحمي النظام.. لكنها تعطل الدولة عندما تحتاج إلى القتال

الفكرة الأكثر إزعاجًا في التحليلات ليست جديدة: كثير من الأنظمة الملكية في المنطقة بنت مؤسسات أمنية متعددة كي لا تتركز القوة المسلحة كلها في يد واحدة. السعودية ليست استثناءً. القوات المسلحة تابعة لوزارة الدفاع، والحرس الوطني له مساره التاريخي المختلف، وهناك أجهزة أمنية أخرى. من منظور حماية النظام، قد يبدو هذا التوزيع ذكيًا. يمنع أي قائد عسكري من أن يصبح خطرًا داخليًا. لكن للحروب منطقًا مختلفًا تمامًا. الحرب تحتاج إلى سرعة قرار، وقيادة موحدة، وتبادل معلومات فوري، وعقيدة مشتركة، وقوات مدربة على العمل المشترك. عندما تكون المؤسسة مجزأة تاريخيًا لأسباب سياسية داخلية، يصبح الثمن واضحًا في ساحة المعركة. السؤال الذي يجب طرحه بلا مواربة: هل صُممت المنظومة العسكرية السعودية لتكون فعالة ضد عدو خارجي، أم لتكون آمنة ضد أي خطر داخلي محتمل؟ حرب اليمن قدمت الإجابة. بعد أحد عشر عامًا من الإنفاق والتدخل، ما زالت المملكة تحتاج إلى قرار سياسي من البيت الأبيض كي تتحرك الطائرات الأمريكية. السلاح موجود. القرار غائب. وهذا ليس نقصًا في المعدات. هذا نقص في النموذج.

رؤية 2030 جعلت المملكة أكثر هشاشة عسكريًا لا أقل

المفارقة الأعمق أن السعودية الجديدة التي يريد محمد بن سلمان بناءها أصبحت أكثر حساسية للحرب، لا أقل. اقتصاد النفط التقليدي كان يحتاج أساسًا إلى حماية الحقول والموانئ. اقتصاد رؤية 2030 يحتاج إلى حماية كل شيء: نيوم، البحر الأحمر، المطارات، الفنادق، المنتجعات، مراكز البيانات، المصانع، السياح، والمستثمرين. كل مليار يُضاف إلى الاقتصاد الجديد يخلق هدفًا جديدًا يجب حمايته. وهنا يملك الحوثي ميزة الحرب غير المتكافئة. ليس مطلوبًا منه تدمير الاقتصاد السعودي. يكفي أن يجعل تكلفة حمايته باهظة. السعودية تدفع ملايين الدولارات لاعتراض هدف رخيص. وتحمي مساحة هائلة بينما يحتاج المهاجم إلى إصابة هدف واحد ذي قيمة عالية. إيران فهمت هذه المعادلة مبكرًا. دعم الحوثيين كان استثمارًا منخفض التكلفة نسبيًا لفرض تكلفة مرتفعة على الرياض. والخطأ الأكبر هو اختزال الحوثيين في كونهم مجرد وكلاء لطهران. هم أصبحوا قوة يمنية لها مؤسساتها ومقاتلوها واقتصاد حربها وشبكاتها المحلية. لهذا لم ينجح القصف في محوهم. لأنك لا تستطيع محو تنظيم متجذر بمجرد تدمير مستودعاته.

القوة التي اشتريتها لم تشترِ لك الأمن.. وهذا هو الدرس الذي ترفض الرياض الاعتراف به

السعودية تملك قدرات عسكرية متقدمة وموارد هائلة. الحوثيون ليسوا أقوى منها عسكريًا بالمعنى التقليدي. لكن بعد أحد عشر عامًا، النتيجة الاستراتيجية هي التي تُحاسب. دخلت الرياض الحرب لمنع الحوثيين من أن يصبحوا تهديدًا دائمًا. واليوم ما زالت تبحث عن كيفية ردعهم. دخلت بتفوق ساحق في الجو. واليوم تبحث عن مساعدة جوية واستخباراتية من حلفائها. أنفقت مليارات على أحدث الأسلحة. واليوم يبقى جزء أساسي من أمنها مرتبطًا بقرار سياسي في واشنطن. أعلنت توطين الصناعة العسكرية. لكن السلاح الغربي والدعم الغربي ما زالا العمود الفقري. الخصم الذي كان يفترض إضعافه خرج من الحرب بقدرات أكبر بكثير مما دخل بها. هذه ليست قصة حوثي أقوى من السعودية. هذه قصة قوة مالية هائلة فشلت في التحول إلى استقلال عسكري وسياسي.

وإذا كان صحيحًا أن بنية الجيش تأثرت تاريخيًا بالرغبة في عدم تركيز القوة بما قد يهدد النظام، فإن اليمن يضع أمام الرياض مفارقة قاسية: الدولة التي تبني جيشًا وهي تفكر كيف لا يصبح خطرًا عليها، تكتشف يومًا أنها تحتاج إلى جيش بُني أولًا ليكون خطرًا على عدوها. صفقة F-35 جديدة لن تحل هذه المشكلة. ولا سرب إضافي. ولا صاروخ أكثر تطورًا. لأن الأزمة ليست في عدد قطع السلاح. الأزمة في المؤسسة التي تستخدمه، والعقيدة التي تحكمه، والحلفاء الذين يقاتلون معه، والهدف السياسي الذي يفترض أن تحققه الحرب. وبعد أحد عشر عامًا، يبقى السؤال الذي لا تستطيع صفقات السلاح إخفاءه: هل كانت المشكلة يومًا أن السعودية لا تملك ما يكفي من السلاح، أم أنها بنت نموذجًا أمنيًا يجيد شراء القوة أكثر مما يجيد تحويلها إلى أمن؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية