حين تعترف الإدارة التنفيذية لمشروعٍ مدعوم سياديًا بأنه سيواصل تكبيد الخسائر حتى نهاية العقد، فالمشكلة لم تعد في «طول النفس الاستثماري» ولا في «رهان بعيد المدى»، بل في نموذج إنفاق مأزوم يُدار بلا مساءلة، ويُسوَّق للجمهور بخطاب الثقة المطلقة. إقرار رئيس جولة «ليف غولف» بأن المشروع سيظل خاسرًا حتى عام 2030—مع تأكيد «التزام حكومي راسخ»—يكشف جانبًا صارخًا من إدارة المال العام في السعودية: التزام لا يُقاس بالعائد، بل بالإصرار، واستثمار لا يُحاسَب بالنتائج، بل بالشعارات.
اعتراف بالخسارة وتطبيع معها
تصريح الإدارة بأن «ليف غولف» تحتاج بين خمس إلى عشر سنوات إضافية حتى تصبح مربحة ليس تفصيلًا تقنيًا، بل اعتراف صريح بفشل النموذج الحالي. الحديث هنا عن مشروع تلقّى ما يقارب خمسة مليارات دولار من التمويل منذ 2021، ومع ذلك راكم خسائر تتجاوز المليار دولار في سوق واحدة فقط خلال عامين. ورغم هذا النزيف، يجري تقديم الخسارة بوصفها مرحلة طبيعية في «بناء علامة عالمية».
هذا الخطاب يطرح سؤالًا جوهريًا: متى تصبح الخسارة غير مقبولة؟ في أي اقتصاد يخضع لمعايير الحوكمة، يُعاد تقييم المشروع أو يُجمّد أو يُلغى. أما في الحالة السعودية، فيجري تطبيع الخسارة طالما أن المشروع يخدم رواية سياسية أو دعائية أوسع، حتى لو كان الثمن استنزافًا طويل الأمد للمال العام.
صندوق سيادي بلا منطق سيادي
جوهر الأزمة لا يكمن في «ليف غولف» وحدها، بل في طريقة إدارة الاستثمارات السيادية. الصندوق الذي يفترض به تعظيم العائد للأجيال القادمة يتحول عمليًا إلى ممول دائم لمشاريع ترفيهية خاسرة، دون سقف زمني واضح أو معايير خروج. حين يقول المسؤول التنفيذي إن «الالتزام الحكومي واسع على المدى الطويل»، فذلك يعني عمليًا شيكًا مفتوحًا بلا شروط.
هذا النهج يُفرغ مفهوم الاستثمار السيادي من معناه. فالعائد لم يعد ماليًا ولا تنمويًا، بل رمزيًا: صورة، نفوذ ناعم، أو محاولة فرض واقع جديد في سوق رياضي عالمي بالقوة المالية. المشكلة أن هذه الرمزية تُموَّل من موارد دولة تواجه ضغوطًا مالية متزايدة، وتُطالب مواطنيها في الوقت نفسه بشد الأحزمة وتقليص الدعم.
الرياضة كأداة تبييض لا كقطاع اقتصادي
جرى تسويق «ليف غولف» على أنها ثورة في عالم اللعبة، لكن الواقع يُظهر مشروعًا يعيش على التمويل لا على السوق. الجماهيرية محدودة، الحقوق الإعلامية ضعيفة، والرعايات لا تغطي النفقات. ومع ذلك يستمر الضخ المالي، لا لإنقاذ نموذج اقتصادي قابل للحياة، بل لفرض المشروع بالقوة حتى يعتاد عليه السوق.
هنا تتحول الرياضة من قطاع اقتصادي إلى أداة سياسية: شراء ولاءات، إسكات انتقادات، وتلميع صورة. لكن هذه الاستراتيجية لها كلفة مضاعفة؛ فهي لا تخلق صناعة مستدامة، ولا تُقنع الأسواق بجدواها، بل تعمّق صورة السعودية كدولة تحاول شراء الشرعية بدل بنائها.
التناقض بين الداخل والخارج
في الداخل، يُطلب من المجتمع تقبّل إجراءات تقشف غير معلنة، وتأجيل مشاريع، ورفع رسوم، وتخفيض إنفاق اجتماعي. في الخارج، تُنفق المليارات على جولات رياضية تعترف إدارتها بأنها خاسرة حتى إشعار آخر. هذا التناقض يضرب الثقة في السياسات الاقتصادية، ويعزز شعورًا بأن الأولويات لا تُحدد وفق حاجة الاقتصاد، بل وفق رغبات الدائرة الضيقة صانعة القرار.
الأخطر أن هذا النموذج لا يقتصر على «ليف غولف»، بل يتكرر في مشاريع ترفيهية ورياضية أخرى، تُقدَّم كاستثمارات استراتيجية، بينما تُدار فعليًا كحملات علاقات عامة باهظة الثمن.
تكلفة الفرصة الضائعة
كل دولار يُضخ في مشروع خاسر هو دولار لا يُستثمر في التعليم، أو الصناعة، أو البحث، أو تنويع حقيقي للاقتصاد. الإصرار على تمويل «ليف غولف» حتى 2030 وما بعدها يعني تجميد مليارات كان يمكن أن تُستخدم لبناء قطاعات إنتاجية قادرة على خلق وظائف مستدامة وعوائد حقيقية.
بدل ذلك، تُهدر الموارد في سباق رمزي مع بطولات عالمية راسخة، دون ضمان الفوز أو حتى تقليص الخسائر. وهذا ليس استثمارًا طويل النفس، بل مقامرة طويلة الأمد بمال دولة.
حين يصبح الإصرار سياسة: خسائر بلا أفق ومساءلة بلا صوت
اعتراف «ليف غولف» باستمرار الخسائر حتى نهاية العقد ليس دليل شجاعة، بل شهادة إدانة لنموذج إنفاق يرفض التعلّم من الفشل. التزام الحكومة الواسع، كما يُقدَّم اليوم، لا يعكس ثقة بقدر ما يعكس غياب آليات المحاسبة. فالدول القوية لا تُقاس بقدرتها على الإنفاق بلا حدود، بل بقدرتها على التراجع حين يثبت الخطأ.
إن تحويل الرياضة إلى ثقب أسود للمال العام قد يشتري وقتًا أو صمتًا، لكنه لا يبني اقتصادًا ولا يصنع استدامة. ومع كل عام جديد من الخسائر، يتضح أن المشكلة ليست في «ليف غولف» وحدها، بل في فلسفة كاملة ترى في المال أداة لفرض الواقع، لا موردًا يجب حمايته.






