مملكة المستشارين: كيف تحوّل النظام السعودي إلى زبون دائم لشركات الغرب… بينما تُهدر المليارات ويُقتل المستقبل المحلي؟

مملكة المستشارين: كيف تحوّل النظام السعودي إلى زبون دائم لشركات الغرب… بينما تُهدر المليارات ويُقتل المستقبل المحلي؟

لم يعد اعتماد السعودية على شركات الاستشارات الغربية مسألة “تنويع خبرات” كما تحاول دعاية النظام تصويرها، بل تحوّل إلى ارتهان كامل بدأ مع صياغة رؤية 2030 وما زال يتمدد بلا توقف حتى اليوم. أربعة مليارات دولار هو حجم سوق الاستشارات في المملكة لعام 2025، وفق تحليل Source Global Research— رقمٌ لا يعكس طموحًا حقيقيًا بقدر ما يعكس نقصًا بنيويًا في الكفاءات داخل جهاز الدولة، وعجزًا مؤسسيًا لا تُداويه أي رؤية مُعلّبة مهما كانت لامعة. فالدولة التي تُفترض قيادتها لمشاريع تاريخية تترك وضع الاستراتيجيات وصناعة الثقافة والتخطيط الاقتصادي لشركات أجنبية تدير المشهد كما تشاء، بينما يقف النظام متفرجًا على مستقبل صاغه الآخرون بالإنابة عنه.

«رؤية صاغها الغرب… ومشاريع تُدار من الخارج بلا ذاكرة ولا روح»

التقارير الدولية تكشف أن الرؤية التي يتغنى بها النظام ليست إنتاجًا محليًا، بل صياغة كاملة لشركات مثل ماكينزي وبوسطن الاستشارية، اللتين وضعتا الخطوط الرئيسية لرؤية 2030، بل وشاركتا في التخطيط لزيارة ترامب إلى الرياض في 2025. ما يبدو “مشروعًا وطنيًا” هو في الواقع وثيقة أجنبية مكتوبة على هوى المستشارين، بينما يكتفي النظام بتسويقها كإنجاز تاريخي وما يحدث في القطاع الثقافي ليس أقل خطورة؛ فعملاقا الاستشارات وشركات أصغر مثل ديلويت، باركر لانغهام، كونسولوم، وبرونزويك آرتس تدير المتاحف، والبيناليات، وتبني الهياكل الفنية، وتحدد هوية الفعاليات حتى في تفاصيلها اليومية. المتحف الذي يُفترض أن يعكس تاريخ السكان تُديره جهة أجنبية. الفعالية الفنية التي يُفترض أن تمثل شغف المجتمع تُصمَّم في لندن أو نيويورك. والعلا التي تُسوّق كتحفة وطنية صاغ خطوطها الأولى مكتب استشاري لا يعرف حتى أسماء قراها.

النتيجة؟

مشاريع متشابهة، بلا جذور، بلا ذاكرة، بلا صوت محلي.

هوية بلا أهل… وثقافة بلا أصحاب.

«ثقافة تتحول إلى سلعة: الفن يُقاس بالأرقام لا بالإبداع»

المشهد الثقافي والإبداعي في السعودية لا يُدار بمنطق الفنانين أو القيّمين، بل بمنطق الشركات التي تقيس كل شيء بمعايير الربح والخسارة. المفاهيم التي تحكم الفن اليوم داخل المؤسسات الحكومية ليست الإلهام أو الأصالة أو التراكم الثقافي، بل ثلاثة معايير باردة تُلخّص عقلية المستشار الأجنبي: العائد على الاستثمار، قابلية التوسع، ودراسات الأثر هذه المقاييس التي تناسب المصانع والأسواق تُطبّق على الفن والمتاحف والتراث، فتحوّل المشهد إلى قشرة لامعة بلا مضمون القاعات تُبنى… لكن الفنان لا ينمو الفعاليات تتكاثر… لكن المجتمع لا يشارك الميزانيات تنفق… لكن لا ذاكرة تُبنى.

أحد القيّمين قالها صراحة:

“إنهم يعاملون الثقافة كأنها قطاع صناعي، وليس بيئة تُصنع فيها الهوية.”

ولأن المستشارين يأتون ويغادرون، لا تُبنى خبرة محلية ولا تنتقل معرفة؛ كل مشروع يبدأ من الصفر وينتهي إلى الصفر، لأن من نفّذه لم يكن جزءًا من المكان.

«الجانب المظلم: صفقات استشارية تُهدر المليارات بلا رقابة… وبلا مساءلة»

ما يُنشر في الإعلام الدولي عن دور المستشارين هو نصف القصة فقط؛ أما النصف الآخر فهو فساد الصفقات التي تُبرم في الظلام، والتي تُصاغ في مكاتب مغلقة، ويشارك فيها وسطاء محليون يرتبطون بعلاقات نافذة داخل الدولة. هذه الصفقات لا تخضع لرقابة حقيقية، ولا لشفافية، وغالبًا تُمنح لمكاتب محددة بتوصيات سياسية لا مهنية تقارير متطابقة من داخل القطاع الحكومي تؤكّد أن العقود الاستشارية تُستخدم أحيانًا كغطاء لتحويل الأموال، أو للمحسوبية، أو لتثبيت نفوذ مستشارين مقربين من أصحاب القرار. بعض الشركات تحصل على عدة عقود متتابعة رغم فشلها في المشاريع السابقة، فقط لأن النظام لا يمتلك الجرأة أو القدرة على استبدالها والأخطر أن هذه الشركات تعمل بعقود قصيرة، مما يمنحها نفوذًا ضخمًا دون أي مساءلة؛ تنفّذ المشروع، تقبض الملايين، تغادر، وتترك المؤسسة الحكومية تواجه فشل التنفيذ، بينما يُعاد طرح عقد استشاري جديد، في دورة فساد لا تتوقف هذا الاعتماد المفرط ليس علامة قوة، بل اعتراف ضمني بأن النظام السعودي لا يثق في قدرته على إدارة دولته، فيستورد العقل من الخارج بينما تُهدر المليارات بلا أي أثر مستدام.

«رؤية بلا أصحاب… دولة بلا ذاكرة»

المملكة التي يُفترض أن تصنع مستقبلها بيدها تُسلمه للمستشارين: هم من يفكرون ويخططون ويصممون ويقررون، بينما النظام يكتفي بالدفع وحين يصبح المستشار هو من يصنع الرؤية، والمشروع، والهوية، والثقافة، يصبح الوطن مجرد منصة تنفيذ، لا فاعلًا ولا صانعًا وحين تُنفق المليارات على عقود بلا رقابة، بلا مساءلة، بلا أثر، يتحول المستقبل إلى ملف PDF  تضعه ماكينزي على طاولة الوزير… ثم تغادر.

والنظام الذي يعتمد على العقول المستوردة لن يمتلك يومًا مشروعًا حقيقيًا… بل مجرد عروض تقديمية تلمع ساعة وتختفي.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية