البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
مملكة المليارات الغارقة في الأزمات بن سلمان يقود السعودية نحو الانفجار الاجتماعي تحت غطاء الترفيه والدعاية

مملكة المليارات الغارقة في الأزمات بن سلمان يقود السعودية نحو الانفجار الاجتماعي تحت غطاء الترفيه والدعاية

بن سلمان
بن سلمان

بعد سنوات من الوعود الضخمة والشعارات اللامعة عن “السعودية الجديدة” و”رؤية 2030”، بدأت التناقضات داخل المملكة تظهر بصورة أكثر حدة ووضوحًا. فبينما تُنفق مئات المليارات على المدن الخيالية والبطولات الرياضية وصفقات الترفيه والاستحواذات الخارجية، تتوسع في الداخل دائرة الغضب الشعبي المرتبط بالبطالة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتآكل الطبقة المتوسطة. المشهد السعودي اليوم لم يعد صورة بلد يعيش طفرة اقتصادية كما تحاول الدعاية الرسمية تسويقه، بل دولة تتراكم داخلها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بوتيرة متسارعة، بينما تحاول السلطة تغطية هذا الانكشاف عبر القبضة الأمنية والاستعراض الإعلامي.

المفارقة الكبرى أن النظام الذي وعد بتحويل السعودية إلى قوة اقتصادية حديثة مستقرة، يجد نفسه اليوم يواجه أسئلة ثقيلة حول جدوى سياساته نفسها. فبعد عقد تقريبًا من إطلاق رؤية 2030، لا يزال النفط هو العمود الفقري الوحيد للاقتصاد، بينما تتزايد الديون والعجوزات والضرائب والضغوط المعيشية على المواطنين. وفي المقابل، تبدو المشاريع العملاقة أقرب إلى أدوات دعائية ضخمة منها إلى حلول حقيقية للأزمات البنيوية التي يعيشها المجتمع السعودي.

الأخطر أن هذه الأزمات لم تعد اقتصادية فقط، بل بدأت تتحول إلى أزمة ثقة شاملة بين السلطة والمجتمع. فالمواطن الذي يرى المليارات تُهدر على حفلات الملاكمة والمدن الصحراوية الخيالية وصفقات الألعاب الإلكترونية، بينما يواجه هو ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، لم يعد يقتنع بسهولة بخطاب “التحول التاريخي” الذي تكرره وسائل الإعلام الرسمية يوميًا.

اقتصاد ينهك المواطن ورؤية تتحول إلى عبء معيشي ثقيل

واحدة من أكبر المفارقات في المشهد السعودي الحالي أن الدولة التي حققت عائدات نفطية هائلة خلال السنوات الماضية، تعيش في الوقت نفسه حالة ضغط اقتصادي داخلي متزايد. فبدل أن تنعكس الثروة النفطية على تحسين الواقع المعيشي للمواطن، تحولت إلى وقود لمشاريع استعراضية عملاقة تستهلك المليارات دون نتائج ملموسة على الحياة اليومية.

ارتفاع الضرائب والرسوم، وتقليص الدعم، وزيادة تكاليف الخدمات، كلها عوامل دفعت قطاعات واسعة من السعوديين إلى الشعور بأن “الإصلاح الاقتصادي” يُموَّل من جيوبهم هم، بينما تُضخ الأموال في مشاريع لا تمس احتياجاتهم الأساسية.

رؤية 2030 التي قُدمت باعتبارها مشروعًا لإنهاء الاعتماد على النفط، انتهت حتى الآن إلى تكريس اعتماد أخطر على الإنفاق الحكومي والدين العام والمشاريع الضخمة غير المنتجة. فكلما تراجعت أسعار النفط أو تصاعدت التوترات الإقليمية، تظهر هشاشة النموذج الاقتصادي الذي بُني خلال السنوات الأخيرة.

الأزمة لم تعد فقط في البطالة أو ارتفاع الأسعار، بل في شعور متزايد بأن الأولويات الرسمية منفصلة عن الواقع الحقيقي للمجتمع. فبينما يبحث الشباب عن وظائف مستقرة وفرص معيشية أفضل، تستمر الدولة في إنفاق المليارات على الترفيه والرياضة والاستحواذات الخارجية، وكأن تحسين الصورة الدولية أصبح أهم من معالجة الاختلالات الداخلية.

هذا التناقض يفسر تصاعد الحساسية الرسمية تجاه أي نقاش اقتصادي أو معيشـي على مواقع التواصل الاجتماعي. لأن الحديث عن البطالة أو الفقر أو الضرائب لم يعد مجرد نقاش اقتصادي، بل أصبح تهديدًا مباشرًا للرواية الرسمية التي تحاول تصوير البلاد باعتبارها نموذجًا عالميًا للنجاح والتحول.

والنتيجة أن السلطة باتت تواجه معضلة حقيقية: اقتصاد يضغط على المجتمع أكثر فأكثر، ودعاية رسمية لم تعد قادرة على إخفاء حجم الفجوة بين المشاريع العملاقة والواقع اليومي للمواطنين.

دولة الترفيه والقمع كيف تحولت القبضة الأمنية إلى البديل عن الإصلاح؟

مع تصاعد الأزمات الداخلية، اختارت السلطة السعودية الاعتماد بصورة أكبر على القبضة الأمنية والإعلامية لضبط المجال العام. بدل فتح نقاش حقيقي حول أسباب التدهور المعيشي أو فشل بعض السياسات، يجري التعامل مع أي انتقاد باعتباره تهديدًا للأمن أو إخلالًا بالنظام العام.

هذا النهج خلق بيئة سياسية وإعلامية خانقة، حيث أصبحت وسائل الإعلام المحلية مجرد منصات دعائية تكرر خطاب السلطة، بينما يتم التضييق على أي مساحة مستقلة للنقاش أو النقد أو حتى التعبير عن التذمر الاجتماعي.

في المقابل، توسعت حملات الاعتقال والأحكام الطويلة والإعدامات بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر على أن النظام بات يرى في السيطرة الأمنية الحل الأساسي لإدارة التوترات الداخلية.

المفارقة أن السلطة التي تتحدث باستمرار عن “الانفتاح” و”السعودية الحديثة”، تبدو أكثر حساسية وخوفًا من أي نقاش عام حقيقي. فالدولة التي تستضيف الحفلات العالمية والبطولات الدولية، لا تزال تعتقل ناشطين ومغردين بسبب منشورات أو تعليقات تنتقد الأوضاع الاقتصادية أو السياسات الرسمية.

وهذا يكشف أن مشروع “الانفتاح” السعودي ليس انفتاحًا سياسيًا أو اجتماعيًا حقيقيًا، بل انفتاح استهلاكي وترفيهي يخدم صورة النظام ومصالحه الاقتصادية فقط، بينما تبقى السياسة والحقوق والحريات تحت رقابة صارمة.

الأخطر أن هذه البيئة لا تخلق استقرارًا حقيقيًا، بل تؤدي إلى تراكم الاحتقان تحت السطح. لأن كبت النقاشات العامة لا يحل الأزمات، بل يدفعها إلى التفاقم بصمت، خصوصًا عندما تتعلق بالمعيشة والبطالة والعدالة الاجتماعية.

سياسة خارجية استنزفت المليارات وأعادت السعودية إلى نقطة الصفر

على المستوى الإقليمي، تبدو السعودية أيضًا وكأنها تدفع ثمن سنوات من السياسات المتقلبة والمغامرات المكلفة. الحرب في اليمن تحولت من مشروع لإعادة تشكيل المنطقة إلى استنزاف مالي وعسكري وسياسي طويل انتهى بتفاهمات لم تحقق الأهداف التي أُعلنت عند بداية الحرب.

المليارات التي أُنفقت هناك لم تنتج انتصارًا حاسمًا، بل عمّقت الضغوط على الميزانية السعودية وفتحت جبهات استنزاف طويلة المدى. وفي الوقت نفسه، تراجعت صورة المملكة الدولية بصورة كبيرة بسبب الانتقادات الحقوقية والملفات المرتبطة بالحرب والانتهاكات والقمع الداخلي.

كما أن العلاقات الإقليمية للسعودية باتت أكثر تعقيدًا وتوترًا، في ظل التحولات المتسارعة في المنطقة، والتنافس على النفوذ، والتغيرات في التحالفات الدولية.

المشكلة أن السلطة حاولت تعويض هذه الإخفاقات عبر التوسع في مشاريع القوة الناعمة والترفيه والرياضة والاستثمارات الإعلامية، وكأن إعادة تلميع الصورة يمكن أن تعوّض غياب الإنجازات السياسية والاقتصادية الحقيقية.

لكن الواقع يكشف شيئًا مختلفًا تمامًا: دولة تنفق المليارات لتبدو قوية ومستقرة وحديثة، بينما تتراكم في الداخل أزمات اقتصادية واجتماعية وحقوقية متزايدة يصعب إخفاؤها بالدعاية وحدها.

السعودية الجديدة مشروع ضخم يلمع خارجيًا ويتآكل من الداخل

ما يحدث داخل السعودية اليوم يكشف أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمشروع متعثر هنا أو قرار اقتصادي خاطئ هناك، بل بأزمة أعمق تتعلق بطبيعة النموذج الذي بُني خلال السنوات الأخيرة. نموذج يقوم على الإنفاق الضخم، والاستعراض الإعلامي، والقبضة الأمنية، مع غياب الإصلاح السياسي الحقيقي والعدالة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية.

السلطة نجحت في بناء صورة عالمية صاخبة مليئة بالمهرجانات والحفلات والمشاريع العملاقة، لكنها فشلت حتى الآن في بناء شعور داخلي مستقر بأن هذه التحولات تصب فعلًا في مصلحة المجتمع.

وفي النهاية، قد تستطيع الدولة الاستمرار لبعض الوقت في إدارة الأزمات عبر المال والدعاية والقمع، لكنها لن تستطيع تغيير الحقيقة الأساسية: أن أي مشروع سياسي أو اقتصادي يفقد توازنه حين تصبح صورته الخارجية أكثر قوة من واقعه الداخلي.

لأن الدول لا تُقاس بعدد الحفلات والبطولات والمدن الزجاجية، بل بقدرتها على توفير حياة مستقرة وعادلة لمجتمعاتها. وهذه هي الجبهة التي تبدو السعودية اليوم أكثر هشاشة فيها، مهما ارتفعت الأبراج وازدادت العروض الترفيهية حولها.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية