مشهد يتكرر بوتيرة متصاعدة، لكن خطورته هذه المرة تجاوزت كل ما سبقه. ظهور عميد سعودي متقاعد على شاشة قناة إسرائيلية لم يكن مجرد مقابلة عابرة، بل لحظة سياسية مكثفة تكشف التحول العميق في خطاب النظام السعودي، وتفضح المسافة بين ما يُقال للجمهور العربي وما يُمارس فعليًا خلف الكواليس. حديث حسن الشهري على قناة “كان 11” الإسرائيلية، في لقاء مع الصحفي روعي كايس، لم يكن مجرد تحليل عسكري أو رأي شخصي، بل خطاب موجّه من منصة خصم تاريخي، يحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود التصريحات الفردية، وتضع النظام السعودي في موقع جديد: مخاطبة الإسرائيليين مباشرة لتقديم تطمينات، وترويج سردية مشتركة ضد إيران، والتلميح إلى قبول تدريجي بمسار التطبيع.
اللافت في هذه المقابلة ليس فقط مكانها، بل مضمونها، وتوقيتها، والسياق الذي جاءت فيه. خطاب الشهري لم يتحدث إلى جمهور عربي أو خليجي، بل خاطب “الشعب الإسرائيلي والمسلم” من داخل قناة إسرائيلية، في محاولة واضحة لإعادة تشكيل الرواية الإقليمية، وتقديم النظام السعودي كطرف عقلاني يسعى للاستقرار، مقابل تصوير إيران كتهديد وجودي. هذه الثنائية، التي تتكرر في الخطاب السياسي الغربي، تظهر هنا بصيغة عربية، لكنها موجّهة من منصة إسرائيلية، وهو ما يكشف حجم التحول في طبيعة الخطاب.
التطبيع عبر الشاشات: حين يصبح الإعلام الإسرائيلي منصة للخطاب السعودي
الظهور الإعلامي لمسؤولين أو شخصيات سعودية على قنوات إسرائيلية لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبح نمطًا متكررًا خلال السنوات الأخيرة. لكن ما يميز هذه المقابلة تحديدًا هو نبرة الخطاب، والرسائل المباشرة التي تم توجيهها للجمهور الإسرائيلي. الشهري لم يكتفِ بالحديث عن إيران، بل ذهب إلى حد التأكيد أن “الهدوء الخليجي ليس ضعفًا”، موجّهًا هذه الرسالة تحديدًا للمشاهد الإسرائيلي.
هذا النوع من الخطاب يعكس محاولة لإعادة تعريف العلاقة، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل على مستوى الرأي العام. تقرير لصحيفة “هآرتس” بتاريخ 18 سبتمبر 2023 أشار إلى تزايد ظهور شخصيات خليجية على الإعلام الإسرائيلي كجزء من “تهيئة تدريجية” للرأي العام نحو التطبيع، وهو ما يتسق مع ما ظهر في هذه المقابلة.
الأخطر أن هذا الظهور يأتي في ظل غياب أي تفويض شعبي أو نقاش علني داخل المجتمع السعودي حول هذه التحولات. الخطاب يُبث من الخارج، ويُوجّه لجمهور مختلف، بينما يُترك الداخل في حالة من الصمت أو التعتيم، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين السياسات الرسمية والرأي العام.
سردية مشتركة ضد إيران: تقاطع الخطاب السعودي مع الرواية الإسرائيلية
المضمون الذي قدمه الشهري خلال المقابلة لم يخرج كثيرًا عن الخطاب الإسرائيلي التقليدي تجاه إيران. وصف النظام الإيراني بأنه “لا يؤمن بالقانون الدولي” و”يسعى للتوسع”، بل وذهب إلى حد القول إن “الحرس الثوري سيدخل مرحلة الموت الدماغي” بعد تدمير أكثر من 90% من قدراته، في إشارة إلى العمليات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذه التصريحات تتقاطع بشكل واضح مع ما ورد في تقارير إعلامية إسرائيلية. صحيفة “يديعوت أحرونوت”، في تقرير بتاريخ 5 فبراير 2026، تحدثت عن تقييمات إسرائيلية تشير إلى “إضعاف كبير في قدرات الحرس الثوري نتيجة ضربات متكررة”، وهو ما يعكس تشابهًا في الرواية.
المفارقة أن هذا الخطاب يُطرح من منصة إسرائيلية، بينما يتم تجاهل التناقض الواضح في الحديث عن “التوسع” من داخل إعلام دولة تُتهم دوليًا بممارسات مشابهة. هذا التناقض لا يبدو أنه يشكل إشكالية في الخطاب، بل يتم تجاوزه لصالح بناء سردية مشتركة، يتم فيها تقديم إيران كعدو مشترك، وتهميش أي قضايا أخرى.
رسائل مبطّنة للتطبيع: الاقتصاد كمدخل لإعادة تشكيل المنطقة
الجزء الأكثر حساسية في المقابلة كان حديث الشهري عن “اتفاقيات الشراكة” بين السعودية وإسرائيل، حيث أشار إلى أن الشعوب “تستحق” هذه الاتفاقيات، في خطاب يحمل نبرة ترويجية واضحة. هذا الطرح لا يمكن فصله عن الضغوط الأمريكية المتزايدة لدفع النظام السعودي نحو التطبيع، كما ورد في تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ 9 مارس 2024، الذي أشار إلى مفاوضات مستمرة تتضمن ضمانات أمنية واستثمارات مقابل الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
الحديث عن “الطريق الاقتصادي” الذي يمر عبر السعودية نحو إيلات أو حيفا يكشف أيضًا عن البعد الاقتصادي لهذا المسار، حيث يتم تقديم التطبيع كفرصة اقتصادية، رغم الاعتراف في الوقت ذاته بأن هذه الطرق “غير ممكنة الآن” بسبب الوضع الأمني. هذا التناقض يعكس محاولة لتسويق فكرة لم تكتمل شروطها، لكنها تُطرح كخيار حتمي للمستقبل.
الأخطر أن هذا الخطاب يتم تقديمه كخدمة للأجيال القادمة، في محاولة لإضفاء شرعية أخلاقية على مسار سياسي مثير للجدل. هذا النوع من الخطاب يعيد إنتاج نفس النمط الذي تم استخدامه في تبرير مشاريع أخرى، حيث يتم ربط القرارات السياسية الكبرى بمستقبل الأجيال، دون فتح نقاش حقيقي حول تكلفتها أو تبعاتها.
“خطاب من تل أبيب”.. عندما يتحدث النظام بلسان غيره
المقابلة التي ظهر فيها العميد السعودي المتقاعد على قناة إسرائيلية ليست مجرد حدث إعلامي، بل مؤشر واضح على تحول أعمق في طبيعة الخطاب والسياسة. حين يتم توجيه الرسائل من منصة إسرائيلية، وحين تتقاطع السرديات بهذا الشكل، يصبح السؤال ليس عن مضمون التصريحات، بل عن الجهة التي يتم مخاطبتها، والهدف من هذا الخطاب.
الواقع الذي تكشفه هذه الواقعة يتجاوز حدود الإعلام، ليصل إلى جوهر العلاقة التي تتشكل في المنطقة. تحالفات تُبنى في الظل، وخطابات تُبث من الخارج، وسياسات تُدار بعيدًا عن أي نقاش داخلي. مهما حاول النظام السعودي تقديم هذه التحركات كجزء من “إدارة ذكية”، فإن الحقيقة التي تظهر بوضوح أن المسار يتجه نحو إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح لا يتم الإعلان عنها بشكل صريح.
الرسالة التي خرجت من تل أبيب كانت واضحة: الخطاب لم يعد موجهًا للداخل، بل للخارج، واللغة لم تعد تحمل نفس الثوابت، بل تتغير وفق المنصة والجمهور. في هذا المشهد، لا يبدو الأمر مجرد مقابلة، بل خطوة أخرى في مسار طويل، يتم فيه إعادة تعريف العلاقات، بصمت، وبعيدًا عن الأضواء… حتى تكشفه لحظة واحدة على شاشة.
مشهد يتكرر بوتيرة متصاعدة، لكن خطورته هذه المرة تجاوزت كل ما سبقه. ظهور عميد سعودي متقاعد على شاشة قناة إسرائيلية لم يكن مجرد مقابلة عابرة، بل لحظة سياسية مكثفة تكشف التحول العميق في خطاب النظام السعودي، وتفضح المسافة بين ما يُقال للجمهور العربي وما يُمارس فعليًا خلف الكواليس. حديث حسن الشهري على قناة “كان 11” الإسرائيلية، في لقاء مع الصحفي روعي كايس، لم يكن مجرد تحليل عسكري أو رأي شخصي، بل خطاب موجّه من منصة خصم تاريخي، يحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود التصريحات الفردية، وتضع النظام السعودي في موقع جديد: مخاطبة الإسرائيليين مباشرة لتقديم تطمينات، وترويج سردية مشتركة ضد إيران، والتلميح إلى قبول تدريجي بمسار التطبيع.
اللافت في هذه المقابلة ليس فقط مكانها، بل مضمونها، وتوقيتها، والسياق الذي جاءت فيه. خطاب الشهري لم يتحدث إلى جمهور عربي أو خليجي، بل خاطب “الشعب الإسرائيلي والمسلم” من داخل قناة إسرائيلية، في محاولة واضحة لإعادة تشكيل الرواية الإقليمية، وتقديم النظام السعودي كطرف عقلاني يسعى للاستقرار، مقابل تصوير إيران كتهديد وجودي. هذه الثنائية، التي تتكرر في الخطاب السياسي الغربي، تظهر هنا بصيغة عربية، لكنها موجّهة من منصة إسرائيلية، وهو ما يكشف حجم التحول في طبيعة الخطاب.
التطبيع عبر الشاشات: حين يصبح الإعلام الإسرائيلي منصة للخطاب السعودي
الظهور الإعلامي لمسؤولين أو شخصيات سعودية على قنوات إسرائيلية لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبح نمطًا متكررًا خلال السنوات الأخيرة. لكن ما يميز هذه المقابلة تحديدًا هو نبرة الخطاب، والرسائل المباشرة التي تم توجيهها للجمهور الإسرائيلي. الشهري لم يكتفِ بالحديث عن إيران، بل ذهب إلى حد التأكيد أن “الهدوء الخليجي ليس ضعفًا”، موجّهًا هذه الرسالة تحديدًا للمشاهد الإسرائيلي.
هذا النوع من الخطاب يعكس محاولة لإعادة تعريف العلاقة، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل على مستوى الرأي العام. تقرير لصحيفة “هآرتس” بتاريخ 18 سبتمبر 2023 أشار إلى تزايد ظهور شخصيات خليجية على الإعلام الإسرائيلي كجزء من “تهيئة تدريجية” للرأي العام نحو التطبيع، وهو ما يتسق مع ما ظهر في هذه المقابلة.
الأخطر أن هذا الظهور يأتي في ظل غياب أي تفويض شعبي أو نقاش علني داخل المجتمع السعودي حول هذه التحولات. الخطاب يُبث من الخارج، ويُوجّه لجمهور مختلف، بينما يُترك الداخل في حالة من الصمت أو التعتيم، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين السياسات الرسمية والرأي العام.
سردية مشتركة ضد إيران: تقاطع الخطاب السعودي مع الرواية الإسرائيلية
المضمون الذي قدمه الشهري خلال المقابلة لم يخرج كثيرًا عن الخطاب الإسرائيلي التقليدي تجاه إيران. وصف النظام الإيراني بأنه “لا يؤمن بالقانون الدولي” و”يسعى للتوسع”، بل وذهب إلى حد القول إن “الحرس الثوري سيدخل مرحلة الموت الدماغي” بعد تدمير أكثر من 90% من قدراته، في إشارة إلى العمليات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذه التصريحات تتقاطع بشكل واضح مع ما ورد في تقارير إعلامية إسرائيلية. صحيفة “يديعوت أحرونوت”، في تقرير بتاريخ 5 فبراير 2026، تحدثت عن تقييمات إسرائيلية تشير إلى “إضعاف كبير في قدرات الحرس الثوري نتيجة ضربات متكررة”، وهو ما يعكس تشابهًا في الرواية.
المفارقة أن هذا الخطاب يُطرح من منصة إسرائيلية، بينما يتم تجاهل التناقض الواضح في الحديث عن “التوسع” من داخل إعلام دولة تُتهم دوليًا بممارسات مشابهة. هذا التناقض لا يبدو أنه يشكل إشكالية في الخطاب، بل يتم تجاوزه لصالح بناء سردية مشتركة، يتم فيها تقديم إيران كعدو مشترك، وتهميش أي قضايا أخرى.
رسائل مبطّنة للتطبيع: الاقتصاد كمدخل لإعادة تشكيل المنطقة
الجزء الأكثر حساسية في المقابلة كان حديث الشهري عن “اتفاقيات الشراكة” بين السعودية وإسرائيل، حيث أشار إلى أن الشعوب “تستحق” هذه الاتفاقيات، في خطاب يحمل نبرة ترويجية واضحة. هذا الطرح لا يمكن فصله عن الضغوط الأمريكية المتزايدة لدفع النظام السعودي نحو التطبيع، كما ورد في تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ 9 مارس 2024، الذي أشار إلى مفاوضات مستمرة تتضمن ضمانات أمنية واستثمارات مقابل الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
الحديث عن “الطريق الاقتصادي” الذي يمر عبر السعودية نحو إيلات أو حيفا يكشف أيضًا عن البعد الاقتصادي لهذا المسار، حيث يتم تقديم التطبيع كفرصة اقتصادية، رغم الاعتراف في الوقت ذاته بأن هذه الطرق “غير ممكنة الآن” بسبب الوضع الأمني. هذا التناقض يعكس محاولة لتسويق فكرة لم تكتمل شروطها، لكنها تُطرح كخيار حتمي للمستقبل.
الأخطر أن هذا الخطاب يتم تقديمه كخدمة للأجيال القادمة، في محاولة لإضفاء شرعية أخلاقية على مسار سياسي مثير للجدل. هذا النوع من الخطاب يعيد إنتاج نفس النمط الذي تم استخدامه في تبرير مشاريع أخرى، حيث يتم ربط القرارات السياسية الكبرى بمستقبل الأجيال، دون فتح نقاش حقيقي حول تكلفتها أو تبعاتها.
“خطاب من تل أبيب”.. عندما يتحدث النظام بلسان غيره
المقابلة التي ظهر فيها العميد السعودي المتقاعد على قناة إسرائيلية ليست مجرد حدث إعلامي، بل مؤشر واضح على تحول أعمق في طبيعة الخطاب والسياسة. حين يتم توجيه الرسائل من منصة إسرائيلية، وحين تتقاطع السرديات بهذا الشكل، يصبح السؤال ليس عن مضمون التصريحات، بل عن الجهة التي يتم مخاطبتها، والهدف من هذا الخطاب.
الواقع الذي تكشفه هذه الواقعة يتجاوز حدود الإعلام، ليصل إلى جوهر العلاقة التي تتشكل في المنطقة. تحالفات تُبنى في الظل، وخطابات تُبث من الخارج، وسياسات تُدار بعيدًا عن أي نقاش داخلي. مهما حاول النظام السعودي تقديم هذه التحركات كجزء من “إدارة ذكية”، فإن الحقيقة التي تظهر بوضوح أن المسار يتجه نحو إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح لا يتم الإعلان عنها بشكل صريح.
الرسالة التي خرجت من تل أبيب كانت واضحة: الخطاب لم يعد موجهًا للداخل، بل للخارج، واللغة لم تعد تحمل نفس الثوابت، بل تتغير وفق المنصة والجمهور. في هذا المشهد، لا يبدو الأمر مجرد مقابلة، بل خطوة أخرى في مسار طويل، يتم فيه إعادة تعريف العلاقات، بصمت، وبعيدًا عن الأضواء… حتى تكشفه لحظة واحدة على شاشة.






