في الوقت الذي تحاول فيه السلطة في السعودية تسويق صورة “التحول الاقتصادي الجريء” والانفتاح غير المسبوق، تكشف الوقائع المتراكمة عن مسار مختلف تمامًا: اقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، عجز مالي متواصل، تباطؤ في الاستثمار الحقيقي، ومشاريع عملاقة تُراجع أو تُجمّد بعد استنزاف مليارات الدولارات. وبينما تُقدَّم الإجراءات الأخيرة بوصفها إصلاحات شجاعة، يقرأها كثير من المراقبين كإشارات ضغط ومحاولات متأخرة لجذب السيولة بأي ثمن، في ظل مأزق مالي يتسع.
إصلاحات تحت الإكراه لا ضمن رؤية متماسكة
التعديلات التنظيمية التي أُعلن عنها خلال الأشهر الماضية—من تجميد الإيجارات، إلى توسيع نطاق تملك الأجانب للعقارات، وتخفيف القيود على المشروبات الكحولية، وفتح الأسواق المالية أمام المستثمرين الدوليين—تُقدَّم رسميًا باعتبارها خطوات لتعزيز الجاذبية الاستثمارية. غير أن توقيتها وطبيعتها يكشفان أنها أقرب إلى إصلاحات اضطرارية منها إلى تنفيذ مدروس لاستراتيجية طويلة الأمد.
فالسعودية، بحسب تحليلات اقتصادية متعددة، لا تزال تعاني فجوة واضحة مقارنة بمراكز استثمارية إقليمية أخرى من حيث جودة الحياة، وضوح القوانين، واستقرار البيئة التنظيمية. القيود الاجتماعية المتبقية، الازدحام، نقص المساكن والمكاتب والمدارس في المدن الكبرى، كلها عوامل تقلل من قدرة البلاد على جذب الكفاءات والشركات العالمية، مهما قُدّمت من حوافز مالية.
وحتى السماح بتملك الأجانب في مدن ذات رمزية دينية واقتصادية كبرى، وهو تحول غير مسبوق، لا يبدو نابعًا من قناعة فكرية بقدر ما هو محاولة لفتح مصادر تمويل جديدة لسوق عقارية تعاني من اختناقات حادة.
الاستثمار الأجنبي الأرقام الطموحة والواقع الأقل بريقًا
تستهدف السعودية جذب عشرات المليارات من الدولارات سنويًا من الاستثمار الأجنبي المباشر، إلا أن الأرقام الصافية—بعد احتساب سحب الاستثمارات—ترسم صورة أقل تفاؤلًا. فالتدفقات لا تزال دون الطموحات المعلنة، وتعاني من تقلبات واضحة منذ عام 2022.
ويرى اقتصاديون أن المشكلة لا تكمن فقط في القوانين، بل في غياب التطبيق المتسق. فالكثير من التعديلات القانونية المتعلقة بالإفلاس، وتسوية النزاعات، وحماية المستثمرين، لم تُختبر بعد بشكل كافٍ في المحاكم، ما يخلق حالة من التردد لدى المستثمرين الدوليين الذين يبحثون عن بيئة يمكن التنبؤ بها، لا مجرد وعود تنظيمية.
كما أن فتح السوق المالية على مصراعيها أمام رؤوس الأموال الأجنبية، رغم أثره الإيجابي القصير الأمد على المؤشرات، لا يعالج جوهر المشكلة: اقتصاد يعتمد بشدة على الإنفاق الحكومي والمشاريع الضخمة، مقابل قطاع خاص لم يتحول بعد إلى قاطرة نمو مستقلة.
العجز المالي والمشاريع العملاقة معادلة غير متوازنة
تعاني السعودية من عجز مالي مستمر منذ 2022، مع تسجيل عجز في الحساب الجاري لعدة فصول متتالية، ما دفع الحكومة إلى زيادة الاقتراض وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق. ورغم الارتفاع المؤقت في أسعار النفط، لا تزال الإيرادات غير كافية لتغطية مستويات الإنفاق الحالية، خصوصًا مع كلفة المشاريع العملاقة التي تُقدَّر بتريليونات الدولارات.
النتيجة كانت واضحة: مراجعات متتالية لمشاريع كبرى، تأجيل بعضها، تقليص نطاق أخرى، وإعادة تقييم الجدوى الاقتصادية لمشاريع كانت تُسوَّق سابقًا باعتبارها “غير قابلة للمساس”. هذا التراجع لا يعكس مرونة بقدر ما يعكس ضغطًا ماليًا حقيقيًا، حيث باتت الدولة مضطرة للاختيار بين استدامة الميزانية واستمرار الإنفاق بنفس الوتيرة.
ويرى محللون أن الرهان على جذب الاستثمار الأجنبي لتعويض العجز يحمل مخاطرة كبيرة، لأن هذه الاستثمارات نفسها تتأثر بتقلبات أسعار النفط، والتوترات الجيوسياسية، وسمعة البيئة الاستثمارية.
الانفتاح كأداة اقتصادية وحدوده السياسية
يحاول الخطاب الرسمي ربط الانفتاح الاجتماعي والثقافي بالتحول الاقتصادي، لكن هذا الربط يصطدم بواقع سياسي مختلف. فبينما تُفتح بعض القطاعات أمام التغيير، يستمر التضييق على الحريات السياسية والإعلامية، وتغيب الشفافية والمساءلة عن مراكز القرار الاقتصادي الكبرى.
هذا التناقض يخلق حالة من الانفتاح الانتقائي: تغييرات تُرضي الأسواق وتُستخدم في التسويق الخارجي، مقابل بقاء بنية الحكم والقرار دون إصلاح. وهو ما يحدّ من ثقة المستثمر طويل الأمد، الذي لا يبحث فقط عن فرص ربح سريعة، بل عن استقرار مؤسسي وقانوني.
اقتصاد يبحث عن الوقت لا عن الحلول
ما تشهده السعودية اليوم ليس تحولًا اقتصاديًا مكتمل الأركان، بل سباقًا مع الوقت. سباق لتخفيف الضغوط المالية، وجذب السيولة، والحفاظ على زخم المشاريع، في ظل نموذج اقتصادي لم يتحرر بعد من اعتماده على النفط والإنفاق الحكومي.
الإصلاحات الحالية قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تعالج جذور الأزمة ما لم تُرافق بتحول مؤسسي حقيقي، يعيد تعريف دور الدولة، ويمنح الاقتصاد استقلاله عن القرار السياسي الفردي. فبدون ذلك، ستظل “الانفتاحات” مجرد أدوات إسعاف مؤقتة، لا علاجًا دائمًا، في اقتصاد يزداد هشاشة كلما تأخر الاعتراف بحجم التحدي الحقيقي.






