من حرب لإبعاد الحوثيين إلى عرض إسرائيلي لحمايتهم منهم: كيف تحولت جبهة اليمن إلى ورقة ضغط على قرار الرياض

من حرب لإبعاد الحوثيين إلى عرض إسرائيلي لحمايتهم منهم: كيف تحولت جبهة اليمن إلى ورقة ضغط على قرار الرياض

من حرب لإبعاد الحوثيين إلى عرض إسرائيلي لحمايتهم منهم: كيف تحولت جبهة اليمن إلى ورقة ضغط على قرار الرياض
من حرب لإبعاد الحوثيين إلى عرض إسرائيلي لحمايتهم منهم: كيف تحولت جبهة اليمن إلى ورقة ضغط على قرار الرياض

بعد أكثر من أحد عشر عامًا على دخول السعودية حرب اليمن، لم تعد أخطر فاتورة للمواجهة هي عدد الغارات أو تكلفة الذخائر أو مليارات الدولارات التي استهلكتها العمليات العسكرية. الفاتورة الأثقل تظهر عندما يتحول التهديد الذي دخلت المملكة الحرب أصلًا لإبعاده عن حدودها إلى ورقة يستخدمها طرف ثالث للضغط على قرارها السياسي. وهذه هي الدلالة الأهم في المعلومات التي نشرها «المونيتور» عن مساعٍ إسرائيلية غير معلنة لاستغلال التصعيد الحوثي لدفع الرياض نحو التطبيع. التقرير يستند إلى مصادر إسرائيلية، وبالتالي فإن توصيفاتها لدوافع محمد بن سلمان أو درجة الضغط الذي يواجهه لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق مستقلة. لكن جوهر التحرك المنسوب إلى نتنياهو واضح: تقديم الخبرة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية للسعودية في لحظة أمنية صعبة، ومحاولة تحويل هذه الحاجة إلى مدخل سياسي نحو التطبيع. المشكلة هنا ليست أن السعودية قد تتبادل معلومات أمنية مع إسرائيل، ولا أن التعاون بين دولتين في مواجهة تهديد مشترك أمر استثنائي. المشكلة هي كيف تغير موقع الرياض التفاوضي. في 2015 دخلت السعودية اليمن من موقع الدولة التي تريد إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها بالقوة. وفي 2026 تجد نفسها أمام حوثيين أكثر قدرة على استخدام الصواريخ والمسيّرات وتهديد الممرات البحرية، فيما تحاول إسرائيل إقناعها بأن جزءًا من الحل قد يوجد في تل أبيب. وهنا يصبح السؤال أقسى من نتيجة معركة واحدة: كيف تحولت حرب كان هدفها تقليل التهديد على القرار السعودي إلى أزمة يستطيع الآخرون استخدامها للتأثير في ذلك القرار؟

أحد عشر عامًا من الحرب لم تشترِ للسعودية الشيء الذي احتاجته أكثر: هامش القرار

القوة العسكرية لا تُقاس بعدد المقاتلات التي تستطيع الدولة شراءها، بل بمقدار الحرية السياسية التي تمنحها لها هذه القوة عندما تقع الأزمة. والسعودية أنفقت لعقود على واحدة من أكبر الترسانات العسكرية في المنطقة، وبنت علاقات دفاعية واسعة، وقادت تحالفًا عسكريًا في اليمن منذ 2015. ومع ذلك، لم تستطع الحرب إزاحة الحوثيين، فيما تشير التطورات الحالية إلى أنهم أصبحوا قوة أكبر وأكثر تنظيمًا وقدرة على استخدام الصواريخ والمسيّرات وتهديد الملاحة مقارنة ببداية التدخل السعودي. كما حققوا خلال التصعيد الأخير مكاسب مهمة على ساحل البحر الأحمر وحول باب المندب. هذا لا يعني أن الحوثيين أصبحوا أقوى عسكريًا من السعودية؛ الفارق في القدرات التقليدية هائل. لكنه يكشف لماذا قد تفشل المقارنة التقليدية أصلًا. الحوثي لا يحتاج إلى التفوق على القوات الجوية السعودية. يكفيه أن يجعل حماية المملكة أكثر تكلفة. أن يجبرها على استهلاك صواريخ اعتراضية. أن يهدد منشأة نفطية. أن يرفع تكلفة التأمين والشحن. أن يقترب من باب المندب. وأن يجعل المستثمر الذي يفكر في مشروع بمليارات الدولارات يضيف «المخاطر الجيوسياسية» إلى حساباته. في 19 سبتمبر، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي حوثي كان يستهدف الرياض، في أحدث مؤشر على وصول التصعيد مجددًا إلى قلب المملكة، وليس فقط إلى مدنها الحدودية. وهنا يصبح نجاح الحوثي مختلفًا عن الانتصار العسكري التقليدي. ليس مطلوبًا منه احتلال الرياض. يكفي أن يجعل الرياض مضطرة باستمرار إلى البحث عن مزيد من الحماية. وكلما ازدادت حاجة الدولة إلى الآخرين لحماية أمنها، انخفض جزء من استقلالها في التفاوض معهم. هذه هي النقطة التي يحاول نتنياهو، بحسب الرواية الإسرائيلية، استغلالها. فهو لا يقول للسعودية: إسرائيل تستطيع هزيمة الحوثيين من أجلكم. العرض أكثر ذكاءً من ذلك. إسرائيل تستطيع أن تقول: لدينا شيء تحتاجونه الآن. استخبارات. خبرة في تتبع الصواريخ والمسيّرات. تحليل للقدرات الإيرانية. إنذار مبكر. مشورة عسكرية. والسياسة تبدأ عندما يصبح السؤال: ما المقابل؟ هذه هي النتيجة التي لم تكن موجودة في خطاب حرب 2015. دخل محمد بن سلمان الحرب لإعادة تشكيل ميزان القوة في اليمن. وبعد أحد عشر عامًا، يحاول نتنياهو استخدام نتيجة ذلك الميزان لإعادة تشكيل حسابات محمد بن سلمان نفسه.

نتنياهو لا يحتاج إلى إنقاذ الرياض.. يحتاج فقط إلى جعل فلسطين أغلى من أن تتمسك بها

هنا تظهر أخطر نقطة في الحساب الإسرائيلي المنسوب إلى نتنياهو. العقبة الأساسية أمام التطبيع السعودي الإسرائيلي ليست غياب قنوات الاتصال. الاتصالات الخلفية والتقاطعات الأمنية ليست جديدة. العقبة سياسية. السعودية ما زالت تربط الاعتراف الرسمي بإسرائيل بمسار نحو إقامة دولة فلسطينية، بينما ظل نتنياهو معارضًا لإقامة الدولة الفلسطينية بالشروط التي تتحدث عنها الرياض. إذن، إذا لم يكن نتنياهو مستعدًا لدفع الثمن الفلسطيني الذي تطلبه السعودية، فهناك طريقة أخرى لتغيير المعادلة: رفع تكلفة تمسك السعودية بشرطها. وهنا يدخل الحوثيون. كلما ازدادت الهجمات على المملكة، أصبحت المساعدة الأمنية أكثر قيمة. وكلما ترددت الولايات المتحدة في الدخول في حرب جديدة ضد الحوثيين، ازدادت قيمة البدائل. واشنطن نفسها تواجه معضلة واضحة: الدخول مجددًا في حرب مباشرة مع الحوثيين سيستهلك موارد بحرية وجوية واستخباراتية وذخائر دفاعية تعاني مخزوناتها أصلًا من الضغط. كما أنه قد ينهي التفاهم الذي أوقف الضربات الأمريكية والحوثية المتبادلة في 2025. هذه هي النافذة التي تريد إسرائيل، وفق تقرير «المونيتور»، الدخول منها. ليس عبر إقناع محمد بن سلمان بأن القضية الفلسطينية لم تعد مهمة، بل عبر محاولة إقناعه بأن الأمن السعودي أصبح أكثر إلحاحًا منها. وإذا نجحت هذه المعادلة، يكون نتنياهو قد حقق إنجازًا استثنائيًا من دون تقديم التنازل الأساسي الذي طالبت به الرياض. بل إن الدافع المنسوب إليه يحمل بعدًا داخليًا مباشرًا: إسرائيل تتجه إلى انتخابات في 27 أكتوبر، وتقرير «المونيتور» يقول إن محيط نتنياهو يرى أن اختراقًا مع السعودية يمكن تقديمه كإنجاز دبلوماسي شخصي. أما استطلاعات الرأي الحالية فلا تمنح أي طرف نتيجة محسومة، ما يزيد القيمة السياسية المحتملة لأي إنجاز كبير قبل التصويت. وهنا تصبح المفارقة حادة: صاروخ حوثي يُطلق من اليمن، يضغط على السعودية، ثم يحاول سياسي إسرائيلي تحويل هذا الضغط إلى مكسب انتخابي في تل أبيب. لكن لا يوجد حتى الآن دليل علني يثبت أن محمد بن سلمان قبل هذه المقايضة أو تخلى عن شرطه المتعلق بفلسطين. ولذلك فإن تصوير الرياض كما لو أنها استسلمت بالفعل للضغط الإسرائيلي سيكون استنتاجًا يتجاوز الأدلة المتاحة. الموجود حتى الآن هو محاولة لاستغلال الضغط. والاختبار هو كيف ستتعامل السعودية معها.

رؤية 2030 بنت مدنًا وصناديق وشركات لكنها لم تستطع شراء الاستقلال الأمني الذي يحمي كل ذلك

هنا تتجاوز القضية التطبيع وفلسطين لتصل إلى قلب مشروع محمد بن سلمان نفسه. رؤية 2030 تريد تقديم السعودية باعتبارها دولة خرجت من نموذج المملكة النفطية التقليدية إلى قوة استثمارية وتكنولوجية وسياحية عالمية. لكن القوة الاقتصادية تحتاج إلى مظلة أمنية. نيوم تحتاج إلى استقرار. السياحة تحتاج إلى استقرار. المطارات والفنادق والبطولات الرياضية ومراكز البيانات تحتاج إلى استقرار. والاستثمارات الأجنبية لا تحب الصواريخ والمسيّرات والحروب المفتوحة. ولهذا فإن الحوثيين لا ينافسون الجيش السعودي فقط. إنهم ينافسون رؤية 2030 على أهم سلعة تحتاجها: الاستقرار. المشكلة أن السعودية اكتشفت أيضًا حدود نموذجها الأمني. واشنطن ليست مستعدة بالضرورة لخوض كل حرب تريدها الرياض. تركيا وباكستان لديهما حساباتهما الخاصة، وإن كانت أنقرة قد أعلنت استعدادها لتقديم دعم تقني عسكري للسعودية في إطار الاتفاق الدفاعي الجديد. الصين تستطيع تقديم سلاح أو دبلوماسية، لكنها ليست بديلًا كاملًا للمظلة العسكرية الأمريكية. والآن تعرض إسرائيل خبرتها، لكن وفق الرواية المنشورة تريد القيادة الإسرائيلية أن يتحول التعاون إلى تقدم سياسي. وهكذا تصبح السعودية أمام سوق للأمن، وكل مورد فيه لديه حساباته. وهذا هو الفرق بين امتلاك المال وامتلاك الاستقلال الاستراتيجي. يمكن شراء مقاتلة. يمكن شراء صاروخ. يمكن شراء رادار. لكن لا يمكن شراء قرار دولة أخرى بلا شروط إلى الأبد. والسؤال الذي كان ينبغي أن يكون في قلب استراتيجية الدفاع السعودية منذ البداية ليس فقط: كم سلاحًا نشتري؟ بل: ماذا يحدث عندما نحتاج إلى المورد في اللحظة التي تكون فيها مصالحه مختلفة عن مصالحنا؟ هذا هو الاختبار الذي وصلت إليه الرياض الآن. والأكثر إحراجًا أن حرب اليمن كان يفترض أصلًا أن تمنع الوصول إليه.

أخطر ما فعله الحوثيون بالسعودية ليس اختراق دفاعاتها بل جعل أمنها سلعة يستطيع الآخرون تسعيرها

من السهل حساب التكلفة المباشرة للحرب. ثمن الطائرات. ثمن الصواريخ. ثمن الاعتراضات. ثمن إصلاح المنشآت. وثمن العمليات العسكرية. لكن هناك تكلفة لا تظهر في أي موازنة حكومية: تكلفة تقلص هامش القرار. عندما تحتاج دولة إلى حليف أكثر مما يحتاجها في لحظة معينة، يملك الحليف شيئًا يستطيع وضع سعر عليه. وهذا تحديدًا ما تكشفه الاستراتيجية المنسوبة إلى نتنياهو. إسرائيل لا تحتاج إلى إرسال جيشها للدفاع عن السعودية. يكفي أن تجعل الرياض ترى في استخباراتها وخبرتها العسكرية قيمة يصعب تجاهلها، ثم تحاول نقل النقاش من «ماذا تستطيع إسرائيل أن تقدم أمنيًا؟» إلى «ماذا تستطيع السعودية أن تقدم سياسيًا؟». وهنا يصل محمد بن سلمان إلى واحدة من أكثر النتائج تناقضًا في حرب بدأت وهو وزير للدفاع. في 2015 أرادت السعودية استخدام قوتها العسكرية لمنع الحوثيين من التحول إلى تهديد دائم على حدودها. في 2026 أصبح الحوثيون قادرين على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وتهديد الممرات النفطية، واستنزاف الدفاعات، ورفع تكلفة رؤية 2030، وفي الوقت نفسه خلق ظرف يحاول نتنياهو استخدامه لدفع السعودية نحو قرار سياسي تاريخي. ليس من الدقة القول إن السعودية «خسرت الحرب» بمعنى عسكري بسيط. وليس من الدقة القول إن نتنياهو نجح بالفعل في فرض التطبيع. لكن من الصعب تجاهل النتيجة الاستراتيجية الأوسع: بعد أحد عشر عامًا، لم تحصل المملكة بعد على العائد الأمني الذي كان يفترض أن تشتريه الحرب. والآن أصبحت تدفع ثمن المشكلة مرتين. مرة عندما تنفق لحماية نفسها من الحوثيين. ومرة أخرى عندما يحاول الآخرون استغلال حاجتها إلى تلك الحماية للحصول على تنازلات أو مكاسب سياسية. وهذا هو الاختبار الذي لا تستطيع رؤية 2030 إخفاءه خلف الأبراج والبطولات والمشاريع العملاقة. الدولة القوية ليست فقط الدولة القادرة على إنفاق مئات المليارات. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تقول «لا» عندما يعرض عليها الآخرون الأمن مقابل السياسة. ولهذا فإن القضية لم تعد ما إذا كانت إسرائيل تستطيع مساعدة السعودية ضد الحوثيين. القضية هي كيف وصلت السعودية، بعد أكثر من عقد من الحرب والتسليح والتحالفات، إلى لحظة يعتقد فيها نتنياهو أصلًا أن خوفها من الحوثيين يمكن أن يكون الورقة التي تجبرها على إعادة تسعير فلسطين والتطبيع. وإذا كان هذا هو الحساب الموجود اليوم في تل أبيب، فإن كشف الحساب الحقيقي لحرب اليمن لا يجب أن يبدأ بعدد الطائرات التي اشترتها السعودية أو الغارات التي نفذتها. بل بسؤال أشد قسوة: كم أنفقت المملكة منذ 2015 حتى تحمي استقلال قرارها، ولماذا أصبح تهديد الحوثيين اليوم أداة يعتقد طرف آخر أنه يستطيع استخدامها للتأثير في هذا القرار نفسه

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية