حين أُطلقت مشاريع البحر الأحمر، لم تُقدَّم بوصفها مجرد منتجعات سياحية، بل كواجهة لمرحلة جديدة في الاقتصاد السعودي: سياحة فاخرة، استدامة بيئية، وضيافة تنافس جزر المالديف والريفييرا الفرنسية. كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها جذرية في سياق المملكة: تحويل ساحل بكر إلى وجهة عالمية تستقطب النخبة الثرية وتدر مليارات خارج إطار النفط.
اليوم، ومع توالي الأنباء عن تقليص المشروع، وتعليق المرحلة الثانية، وإعادة تقييمه “برمّته”، يتبدّل السؤال من “كم عدد المنتجعات التي ستُبنى؟” إلى “هل النموذج الاقتصادي ذاته كان واقعياً؟”. فبعد تقليص طموحات نيوم و”المكعّب” وبعض ملاعب كأس العالم، يأتي مشروع البحر الأحمر ليؤكد أن مرحلة إعادة الحسابات المالية قد بدأت فعلاً.
من 81 منتجعاً إلى 27 فقط: تعديل الطموح
وفق مصادر مطلعة، اتُخذ قرار بإيقاف العمل على المرحلة الثانية من المشروع اعتباراً من نهاية 2026، والتخلي عن خطة بناء 81 منتجعاً بحلول 2030. في المقابل، تؤكد الشركة المشغلة أن المرحلة الأولى، التي تشمل 27 منتجعاً، مستمرة كما هو مخطط لها هذا العام.
لكن حتى مع هذا النفي الرسمي، فإن الاعتراف بتعليق المرحلة الثانية وإعادة تقييم المشروع يشي بتحول جوهري في الرؤية. لم يعد الحديث عن توسع متسارع، بل عن “إثبات جدوى” أولاً، ثم اتخاذ قرار بشأن الاستمرار.
هذا التحول ليس تفصيلاً إدارياً، بل إشارة إلى أن التمويل لم يعد مفتوحاً كما في السنوات الأولى، وأن المشاريع باتت مطالبة بإثبات قدرتها على تحقيق عوائد فعلية، لا الاكتفاء بالرهان على الطلب المستقبلي.
التكلفة تتجاوز العائد: معادلة غير قابلة للاستمرار
أحد المصادر أشار بوضوح إلى أن “التكلفة التشغيلية حالياً تتخطى العوائد بشكل لا يمكن تحمّله”. هذه العبارة تكشف لبّ الأزمة: المنتجعات الفاخرة تحتاج إلى إشغال مرتفع وأسعار مرتفعة لتغطية استثمارات بمليارات الدولارات، إضافة إلى تكاليف تشغيل ضخمة في موقع جغرافي يتطلب بنية تحتية كاملة من الصفر.
إذا كانت الإيرادات لا تواكب المصاريف، فإن استمرار التوسع يصبح مخاطرة مالية غير مبررة، خاصة في ظل تراجع أسعار النفط نسبياً وضغوط العجز في الميزانية.
إعادة تقييم المشروع من قبل صندوق الاستثمارات العامة تعكس إدراكاً بأن المرحلة الحالية تقتضي الحذر، وربما الانتقال من منطق “الضخ السريع” إلى “الانتقاء الدقيق”.
إشغال منخفض وأسعار مرتفعة
لم تُعلن معدلات الإشغال الرسمية للمنتجعات العشرة المنجزة حتى الآن، لكن استشاريين مطلعين يشيرون إلى أن “معظمها شبه خالية”. حتى لو كان الوصف مبالغاً فيه، فإن غياب الشفافية حول نسب الإشغال يثير تساؤلات.
أحد التفسيرات المطروحة هو عدم تقديم المشروبات الكحولية، لكن مصادر أخرى تعتبر أن هذا عامل ثانوي مقارنة بعاملين أكثر حسماً: الأسعار المرتفعة، وحجم المشروع الكبير.
الرهان كان على شريحة عالمية ضيقة قادرة على دفع مبالغ كبيرة مقابل تجربة فاخرة. غير أن تقدير عدد هؤلاء العملاء المحتملين يبدو أنه كان متفائلاً أكثر من اللازم. في سوق السياحة الفاخرة، المنافسة عالمية، والمواقع البديلة كثيرة، والأسعار عنصر حاسم.
إذا لم تحقق المنتجعات إشغالاً كافياً، فإن النموذج الاقتصادي يصبح هشاً مهما كانت جودة التصميم أو فخامة الخدمات.
الوظائف بين التجميد والنقل
من الآثار المباشرة لتعليق المرحلة الثانية احتمال فقدان عشرات العاملين وظائفهم، فيما سيُنقل آخرون إلى مشاريع أخرى مثل الدرعية والقدية.
هذا التحول يكشف جانباً آخر من إعادة ترتيب الأولويات داخل صندوق الاستثمارات العامة. الموارد البشرية، كما المالية، لم تعد موزعة بلا حدود، بل يجري تدويرها وفق المشاريع الأكثر أولوية أو الأقرب إلى تحقيق عائد.
لكن على المستوى الاجتماعي، تكرار سيناريو نقل الموظفين أو إنهاء عقودهم يعزز الشعور بعدم الاستقرار في المشاريع الكبرى، ويثير تساؤلات حول استدامة فرص العمل التي وُعد بها.
السياحة كبديل للنفط: الرهان الصعب
مشروع البحر الأحمر لم يكن مجرد مشروع سياحي، بل جزء من استراتيجية أوسع لجعل السياحة أحد أعمدة الاقتصاد غير النفطي. الهدف المعلن كان جذب عشرات الملايين من السياح سنوياً بحلول 2030.
غير أن السياحة، بخلاف النفط، تتأثر بعوامل كثيرة: الأسعار العالمية، المنافسة، الاستقرار الإقليمي، الصورة الذهنية، وحتى تفاصيل مثل سياسات الضيافة.
إذا كانت المنتجعات الفاخرة تجد صعوبة في تحقيق إشغال مرتفع، فإن السؤال يصبح أوسع: هل النموذج المعتمد – القائم على مشاريع ضخمة عالية الكلفة – هو الأنسب لبناء قطاع سياحي مستدام؟ أم أن التركيز على تطوير مدن قائمة وبنية تحتية متوسطة الكلفة قد يكون أكثر واقعية؟
بين الطموح والصورة والجدوى
لا يمكن فصل مشروع البحر الأحمر عن البعد الرمزي. كما كان “ذا لاين” و”المكعب” رمزين لمستقبل مختلف، كان البحر الأحمر رمزاً لسياحة راقية خالية من النفط.
لكن الرمزية وحدها لا تكفي لضمان النجاح. المشاريع العملاقة تحتاج إلى معادلة دقيقة بين التكلفة والعائد. وإذا اختلّ هذا التوازن، يصبح التوسع عبئاً لا إنجازاً.
إعادة تقييم المشروع “برمّته” تعني أن صناع القرار باتوا أكثر ميلاً إلى الواقعية، وربما أقل استعداداً لتحمل خسائر طويلة الأمد بدافع الطموح السياسي أو الإعلامي.
التقليص لا يعني بالضرورة فشل المشروع بالكامل، بل قد يعكس انتقالاً من مرحلة الحماس الأولي إلى مرحلة الحسابات الدقيقة. المرحلة الأولى ستُعتبر “إثبات جدوى”، وإذا نجحت في تحقيق إشغال وربحية مقبولة، قد يُعاد النظر في التوسع مستقبلاً.
لكن إذا استمرت الفجوة بين التكاليف والعوائد، فقد يصبح التقليص دائماً، لا مؤقتاً.
اختبار الواقعية الاقتصادية
تقليص مشروع البحر الأحمر يأتي في سياق أوسع من مراجعة المشاريع العملاقة في السعودية. من نيوم إلى المكعب، ومن الملاعب إلى المنتجعات، يبدو أن مرحلة “التوسع بلا سقف” تفسح المجال لمرحلة “الجدوى أولاً”.
السؤال لم يعد عن القدرة على البناء، بل عن القدرة على التشغيل المستدام وتحقيق عائد حقيقي. في عالم يشهد تقلبات اقتصادية وضغوطاً مالية، يصبح النجاح مرتبطاً بمدى واقعية التقديرات، لا بحجم الرؤية.
مشروع البحر الأحمر قد يبقى واجهة سياحية مهمة، لكنه بات أيضاً اختباراً لمدى قدرة المملكة على الموازنة بين الطموح الاستراتيجي والانضباط المالي. وبين هذين الحدين يتحدد مستقبل التحول الاقتصادي برمته.






