من صفقات النجوم إلى تسوية الديون وبيع الأندية.. صندوق الاستثمارات العامة يدفع فاتورة المشروع الكروي السعودي ويبحث عن مستثمرين لتحمّل أعبائه

من صفقات النجوم إلى تسوية الديون وبيع الأندية.. صندوق الاستثمارات العامة يدفع فاتورة المشروع الكروي السعودي ويبحث عن مستثمرين لتحمّل أعبائه

من صفقات النجوم إلى تسوية الديون وبيع الأندية.. صندوق الاستثمارات العامة يدفع فاتورة المشروع الكروي السعودي ويبحث عن مستثمرين لتحمّل أعبائه
من صفقات النجوم إلى تسوية الديون وبيع الأندية.. صندوق الاستثمارات العامة يدفع فاتورة المشروع الكروي السعودي ويبحث عن مستثمرين لتحمّل أعبائه

تقرير عن تحركات لبيع حصة أغلبية في نادي النصر، بعد تسوية ديون تبلغ نحو 800 مليون ريال، يعيد فتح ملف مليارات الإنفاق على الدوري السعودي: هل نجحت الاستثمارات الرياضية في بناء أندية قادرة على تمويل نفسها، أم أن الدولة أصبحت مطالبة بتسوية التزاماتها قبل إقناع القطاع الخاص بشرائها؟

بعد سنوات من ضخ الأموال لاستقطاب نجوم كرة القدم العالميين، وتقديم الدوري السعودي بوصفه أحد أبرز مشروعات التحول الرياضي في المنطقة، تظهر مؤشرات على انتقال المملكة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: البحث عن مستثمرين يتولون ملكية الأندية التي ساهم صندوق الاستثمارات العامة في تمويل توسعها.

فبحسب تقرير حصري منسوب إلى موقع «سيمافور»، يعمل الصندوق على تسوية ديون نادي النصر، التي تبلغ نحو 800 مليون ريال، من خلال ترتيبات رعاية مع شركات تابعة له، تمهيدًا لبيع حصة تبلغ 70% من النادي لمجموعة مستثمرين تقودها شركة «ريدبيرد كابيتال»، المرتبطة بملكية نادي ميلان الإيطالي.

ويشير التقرير إلى احتمال حصول كريستيانو رونالدو على حصة تبلغ 20% ضمن الصفقة المقترحة، مع استمرار التفاوض بشأن شروطها النهائية.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإن القضية تتجاوز انتقال ملكية نادٍ رياضي إلى مستثمرين جدد.

فالسؤال لم يعد كم تستطيع السعودية دفعه لجذب النجوم، بل كم يستطيع النادي أن يحقق من إيرادات عندما تتراجع الحاجة إلى التمويل الحكومي المباشر.

وهنا تبدأ المحاسبة الاقتصادية الحقيقية للمشروع الكروي السعودي.

800 مليون ريال من الديون.. لماذا يحتاج النصر إلى تسوية التزاماته قبل البيع؟

تشير المعلومات المنقولة عن «سيمافور» إلى أن صندوق الاستثمارات العامة يعمل على معالجة التزامات مالية لنادي النصر تقدر بنحو 800 مليون ريال، أي ما يعادل نحو 213 مليون دولار.

ووفق التقرير، ستتم التسوية من خلال صفقات رعاية مع شركات تابعة للصندوق.

لكن لا تتوافر حتى الآن تفاصيل كافية لتحديد طبيعة هذه الديون، أو كيفية تسجيل الرعايات محاسبيًا، أو ما إذا كانت الأموال ستؤدي إلى سداد نقدي كامل للالتزامات أم إعادة ترتيبها.

ومع ذلك، فإن الآلية المقترحة تثير سؤالًا مهمًا بشأن الفصل بين التمويل التجاري الحقيقي والدعم المرتبط بالمالك.

فإذا كانت شركة تابعة للصندوق تدفع مقابل رعاية نادٍ يسيطر عليه الصندوق نفسه، فمن الضروري معرفة ما إذا كانت قيمة العقد تعكس عائدًا تسويقيًا مستقلًا، أم أنها تؤدي عمليًا وظيفة دعم مالي داخل المجموعة الاستثمارية.

ولا يعني ارتباط الطرفين وجود مخالفة أو أن الرعاية غير مشروعة. لكنه يجعل الإفصاح عن شروطها وتقييمها التجاري أكثر أهمية.

فالأموال التي تنتقل من شركة مرتبطة بالمالك إلى نادٍ يملكه لا تتحول تلقائيًا إلى دليل على نجاح النادي في جذب إيرادات مستقلة من السوق.

وهذا هو جوهر المشكلة.

فالمستثمر الذي يفكر في شراء نادٍ لا ينظر فقط إلى قيمة علامته التجارية أو عدد متابعي نجومه، بل إلى ديونه، والتزاماته التعاقدية، وتدفقاته النقدية، وقدرته على تحقيق أرباح مستقبلية.

وإذا كان بيع النادي يتطلب أولًا معالجة التزامات ضخمة، فإن ذلك يستدعي معرفة التكلفة الكاملة التي تحملها المالك السابق، لا الاكتفاء بالإعلان عن قيمة الصفقة عند إتمامها.
*
مليار ريال مقابل 70% من النصر.. هل تعكس الصفقة عائدًا حقيقيًا على استثمارات الدولة؟

كشف تقرير «سيمافور» المنشور في 19 أكتوبر أن مجموعة «ريدبيرد» وشركاءها قد يدفعون نحو مليار ريال للاستحواذ على 70% من نادي النصر، بعد اجتماعين على الأقل مع صندوق الاستثمارات العامة. لكنه نقل أيضًا عن مصدر قريب من الصندوق أن الاهتمام لا يزال في مرحلة مبكرة، وأن الصفقة قد لا تتم.

ديون النادي المستهدفة بالتسوية

800 مليون ريال

قيمة الحصة المقترحة للبيع

مليار ريال

الرقمان مختلفان محاسبيًا: الأول ديون مستهدفة بالتسوية، والثاني مقابل مقترح لحصة ملكية. ولا يمكن طرح أحدهما من الآخر لاستخراج ربح أو خسارة الصندوق.

وإذا جرى تسعير حصة 70% بمليار ريال، فإن ذلك يشير حسابيًا إلى تقييم إجمالي لحقوق ملكية النادي بنحو 1.43 مليار ريال، بشرط أن تكون الحصص متجانسة ولا تتضمن الصفقة شروطًا خاصة تغير هذا التقييم.

لكن هذا لا يجيب عن السؤال الأهم: كم أنفق صندوق الاستثمارات العامة بالفعل على النادي منذ دخوله ملكيته؟ وكم من ذلك الإنفاق كان استثمارًا رأسماليًا، وكم كان دعمًا تشغيليًا، وكم سيسترده من البيع؟

من دون هذه البيانات لا يمكن إثبات أن الصفقة ستحقق ربحًا أو خسارة للصندوق.

فالبيع بمليار ريال ليس نجاحًا استثماريًا في حد ذاته؛ النجاح يتحدد بمقارنة العائد مع إجمالي الأموال التي ضُخت في النادي والتزامات المالك التي تحملها طوال فترة الاستثمار.

900 مليون دولار لاستقطاب النجوم.. هل صُنعت صناعة رياضية أم سوق تعتمد على الإنفاق الحكومي؟

يشير تقرير «سيمافور» إلى إنفاق السعودية نحو 900 مليون دولار خلال عام 2023 على استقطاب نجوم عالميين إلى الدوري، من بينهم رونالدو ونيمار وكريم بنزيما. وهذا تقدير للإنفاق على مجموعة من الصفقات في ذلك العام، وليس المبلغ الذي أُنفق على نادي النصر وحده.

لقد نجحت هذه السياسة في جذب الانتباه العالمي إلى الدوري السعودي، ورفعت حضوره الإعلامي والتجاري. لكن الشهرة ليست مرادفًا للربحية.

فالمتابعة على وسائل التواصل لا تتحول تلقائيًا إلى اشتراكات بث مربحة، والتعاقد مع لاعب عالمي لا يضمن أن تتجاوز إيرادات النادي تكلفة رواتبه والتزاماته.

وإذا كانت الأندية تحتاج بعد هذه الطفرة إلى معالجة ديونها وإعادة هيكلة إنفاقها قبل الخصخصة، فإن ذلك يثير سؤالًا بشأن طبيعة النمو الذي تحقق.

هل نما الدوري لأن السوق أصبحت قادرة على تمويله، أم لأن الدولة تحملت تكاليف لم يكن السوق مستعدًا لتحملها؟

وهنا تكمن الفجوة بين مشروع رياضي يحقق انتشارًا إعلاميًا ومشروع تجاري يستطيع الاستمرار عندما تتغير أولويات الإنفاق العام.

ولا يعني ذلك أن الإنفاق على النجوم كان بلا عوائد؛ فقد يحقق مكاسب تسويقية وسياحية ورياضية يصعب قياسها من حسابات الأندية وحدها. لكن هذه المنافع تحتاج إلى قياس واضح، بدل افتراض أنها تعادل تلقائيًا المبالغ المنفقة.

رونالدو من نجم يتقاضى الملايين إلى مالك محتمل.. هل تتغير قواعد المشروع السعودي؟

يشير التقرير إلى احتمال حصول رونالدو على 20% من ملكية نادي النصر ضمن الهيكل المقترح.

وإذا اكتملت هذه الخطوة، فإنها ستمثل تحولًا في علاقته بالنادي، من لاعب متعاقد إلى صاحب مصلحة استثمارية مباشرة.

لكن التفاصيل لم تُحسم بعد، ولا تتوافر معلومات نهائية بشأن المقابل الذي سيدفعه أو شروط حصوله على الحصة.

وقد يمنح وجود رونالدو ضمن الملاك النادي قدرة إضافية على جذب الرعاة والشركاء التجاريين، لكنه لا يضمن نجاحه المالي.

كما أن وجود لاعب نشط ضمن هيكل الملكية يثير مسائل حوكمة تتعلق بالفصل بين دوره الرياضي ومصالحه الاستثمارية، وآليات اتخاذ القرارات داخل النادي.

فالاعتماد على شهرة رونالدو قد يساعد في تسويق النصر، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن بناء مؤسسة رياضية قادرة على تحقيق الإيرادات وإدارة النفقات بعد اعتزاله أو رحيله.

من بيع الهلال إلى مفاوضات النصر.. الخصخصة لا تعني تلقائيًا خروج الدولة من التمويل

ليست مفاوضات النصر أول خطوة ضمن سياسة نقل ملكية الأندية إلى مستثمرين.

فقد سبق أن باع صندوق الاستثمارات العامة حصة أغلبية في نادي الهلال إلى شركة المملكة القابضة، وفق ما أورده تقرير «سيمافور»، في إطار مساعي تحويل الأندية إلى كيانات تجارية أكثر استقلالًا.

لكن الخصخصة الحقيقية لا تقاس فقط بتغير أسماء المساهمين.

فقد ينتقل النادي إلى ملكية مستثمر خاص، بينما تظل إيراداته معتمدة بصورة كبيرة على عقود رعاية من شركات مرتبطة بالدولة، أو على دعم غير مباشر، أو على ترتيبات تمويلية استثنائية.

ولا يعني هذا أن تلك العقود غير تجارية بالضرورة، لكنه يجعل الإفصاح عن مصادر الإيرادات وطبيعة العلاقات بين الأطراف أمرًا حاسمًا.

فإذا خرجت الدولة من سجل المساهمين لكنها ظلت تتحمل الجانب الأكبر من الأعباء المالية، فإن الخصخصة ستكون تغييرًا في شكل الملكية أكثر منها انتقالًا إلى نموذج اقتصادي مستقل.

والمطلوب لمعرفة النتيجة الفعلية هو نشر القوائم المالية المدققة، وتفاصيل الالتزامات التي تسبق البيع وتليه، وحجم الإيرادات الناتجة عن أطراف مستقلة عن المالك السابق.

أزمة النصر تعيد السؤال إلى نيوم ومشروعات «رؤية 2030».. من يتحمل تكلفة تعديل الطموحات؟

تأتي التحركات المتعلقة بالنصر في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطًا أوسع لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، مع استمرار التحديات الأمنية والمالية ومراجعة بعض المشروعات والفعاليات الرياضية الكبرى.

وهنا تتقاطع قصة النادي مع قصة المشروعات العملاقة.

فالنموذج في الحالتين يبدأ بإنفاق كبير لتسريع التوسع وبناء الحضور الدولي، ثم يصل إلى مرحلة يصبح فيها إثبات الجدوى التجارية وجذب التمويل الخاص شرطًا للاستمرار.

وقد تكون هذه المرحلة طبيعية في تطور أي مشروع استثماري. لكن حجم الأموال العامة المستخدمة يجعل المساءلة ضرورية.

فإذا كانت الدولة مطالبة الآن بتسوية التزامات بعض الأندية لجعلها أكثر جاذبية للمشترين، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح على المشروعات الكبرى هو نفسه: ما التكلفة الكاملة للوصول إلى مرحلة يستطيع فيها المستثمر الخاص تحمل المخاطر؟

فصندوق الاستثمارات العامة لا يستطيع اعتبار كل زيادة في الشهرة نجاحًا ماليًا، ولا كل عملية بيع دليلًا على تحقيق عائد، ما لم تُنشر حسابات واضحة تقارن ما دخل بما خرج.

السعودية نجحت في شراء الاهتمام العالمي.. لكن هل تستطيع بيع مشروعها الرياضي بعائد مجزٍ؟

تختصر مفاوضات بيع نادي النصر مرحلة جديدة من التحول الرياضي السعودي.

فبعد سنوات من الإنفاق الكبير على النجوم والأندية والبطولات، باتت الأولوية تتجه إلى جذب مستثمرين وإعادة تنظيم الموازنات وتقليل الاعتماد على التمويل الحكومي.

وقد تكون خصخصة النصر خطوة إيجابية إذا أدت إلى إدارة أكثر كفاءة، وتنويع الإيرادات، وخفض الديون، وتطوير اللاعبين المحليين، وتحقيق عائد مناسب على استثمارات الصندوق.

لكن ذلك لن يتحقق بمجرد الإعلان عن مشترٍ أجنبي أو إدخال رونالدو في هيكل الملكية.

فالمسألة ليست ما إذا كانت السعودية قادرة على بيع 70% من النصر بمليار ريال، بل ما إذا كانت هذه الصفقة ستعيد إلى المال العام قيمة تتناسب مع ما أُنفق على النادي، أم أن الصندوق سيضطر إلى تحمل جزء من التكلفة حتى يصبح المشروع قابلًا للبيع.

والسؤال الأكثر حدة الذي تفرضه هذه التطورات على «رؤية 2030» هو:

إذا كان النادي الذي يضم أحد أشهر لاعبي العالم يحتاج إلى تسوية ديون تبلغ 800 مليون ريال قبل خصخصته، فكيف ستضمن السعودية أن تتحول بقية استثماراتها الرياضية الضخمة إلى مؤسسات مربحة، بدل أن تظل بحاجة إلى تدخل الدولة كلما حان وقت المحاسبة؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية