من “محمد منشار العظم” إلى ضيف الشرف: كيف تحوّل الترفيه في السعودية إلى أداة لغسل القمع بالضحك والذهب

 من “محمد منشار العظم” إلى ضيف الشرف: كيف تحوّل الترفيه في السعودية إلى أداة لغسل القمع بالضحك والذهب

في مشهد يُجسّد أقصى درجات المفارقة السياسية، رحّبت الرياض هذا العام بالإعلامي البريطاني بيرس مورغان — الذي كان قد وصف محمد بن سلمان بـ«محمد منشار العظم» — كضيف شرف في حفل “جوي أووردز” ضمن موسم الرياض، بدعوة من تركي آل الشيخ.

مشهدٌ آخر في مسلسل طويل يُعيد إنتاج القمع على هيئة مهرجان ضاحك، ويحوّل الاستبداد إلى عرض مدفوع الأجر لجمهور يصفّق تحت الأضواء.

هذا الحفل لم يكن حدثًا فنيًا عابرًا، بل حلقة جديدة في مشروع “غسيل الصورة” الذي يستخدم الترفيه والفن والرياضة لتلميع وجه السلطة، في الوقت الذي تتهاوى فيه الحريات داخل السجون ويُعدم فيه المعارضون والمفكرون.

بيرس مورغان من ناقد إلى مُروّج

قبل أعوام قليلة فقط، وصف بيرس مورغان ولي العهد السعودي بأنه “قاتل متوحش” بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

اليوم، يجلس مورغان في الصفوف الأولى لمهرجان الرياض، يبتسم أمام الكاميرات، ويُحذف تاريخه من المنصات الرسمية.

حذفه لتغريدته السابقة لم يكن اعتذارًا، بل تكتيكًا: النظام يغفر للإعلاميين الأجانب ما لا يغفره لشعبه، طالما يُعيدون إنتاج روايته أمام العالم.

مهرجان الرياض للكوميديا، الذي رُوّج له كأكبر تجمع للفكاهة العالمية في الشرق الأوسط، تحوّل إلى منصة لتبييض السجل الحقوقي للمملكة.

الكوميدية الأمريكية جيسيكا كيرسون صرّحت لاحقًا بأنها اشترطت على هيئة الترفيه السماح لها بالإفصاح علنًا عن ميولها الجنسية خلال العرض، وهو ما وافقت عليه الهيئة رسميًا. بعد عودتها، اعتذرت لجمهورها وتبرعت بأجرها لمنظمة حقوقية، وقالت إنها “لم تدرك أنها شاركت في مهرجان تُشرف عليه حكومة متورطة بانتهاكات جسيمة”.

كذلك، الكوميدي عزيز أنصاري قال في مقابلة إن “هناك سعوديين لا يتفقون مع حكومتهم”، لكنه وصف النظام بأنه “قمعي متوحش”، مؤكّدًا تبرعه بجزء من أجره إلى منظمة هيومن رايتس ووتش.

أما الكوميدي أندرو شولتز فاختار السخرية من الحدث نفسه، حين شبّه تركي آل الشيخ بأسامة بن لادن على المسرح، في مقطع تسرب لاحقًا وأثار ضجة واسعة على الإنترنت.

الكوميديا التي تفضح بدل أن تلمّع

بحسب تقرير Human Rights Watch، فإن “مشاركة الكوميديين في مهرجانات الرياض تمثل غطاءً لتبييض القمع، وإعادة تشكيل صورة النظام عبر الترفيه بدلًا من الإصلاح”.

وأضافت المنظمة أن “أولئك الذين يصعدون على خشبة المسرح في الرياض يضحكون، بينما يُسجن الفنانون والصحفيون المحليون في زنازين انفرادية”.

حتى الصحف الغربية التقطت هذه المفارقة:

كتبت نيويورك تايمز أن “الحديث عن حرية التعبير في السعودية خلال الأسابيع التي تلت المهرجان كان أوسع من أي وقت منذ اغتيال خاشقجي، ما جعل الحملة الدعائية تأتي بنتيجة عكسية”.

رياضة الذهب والديون: الترفيه كإدمان رسمي

لم يتوقف الهوس السعودي عند الكوميديا، بل امتد إلى عالم الرياضة بمستويات غير مسبوقة من البذخ.

خلال “بطولة الملوك الستة للتنس”، تلقى اللاعب نوفاك دجوكوفيتش أكثر من 1.5 مليون دولار عن مباراة واحدة خسرها خلال ساعة، فيما بلغت جوائز البطولة 13.5 مليون دولار — لخمسة مباريات فقط.

وفي الوقت نفسه، يحصل اللاعب نيمار على أكثر من 9 ملايين ريال مقابل كل دقيقة لعب في نادي الهلال، رغم غيابه عن أغلب الموسم بداعي الإصابة.

انخفضت قيمته السوقية إلى 15 مليون يورو فقط، بعد أن دفع له الصندوق السيادي السعودي ما يقارب 386 مليون ريال خلال عام واحد.

النتيجة؟ اقتصاد يئنّ تحت العجز المالي — تجاوز 65 مليار دولار في موازنة 2025 — بينما تُهدر المليارات على نجوم غربيين يتركون البلاد بعد ساعات من تسلّم شيكاتهم.

استثمار في “الضحك” و”الدماء”

الظاهرة لا تتوقف عند الترفيه والرياضة. في قمة مبادرة مستقبل الاستثمار الأخيرة في الرياض، رحبت الحكومة السعودية بعودة بنك باركليز البريطاني — أحد أكثر البنوك تمويلًا لآلة الحرب الإسرائيلية — لفتح مكتب رسمي في المملكة.

هذا البنك يمتلك أكثر من 2.5 مليار دولار في أسهم وقروض لشركات الأسلحة التي تزوّد الاحتلال الإسرائيلي بالتكنولوجيا المستخدمة في قتل الفلسطينيين.

ومع ذلك، استُقبل رئيسه التنفيذي في الرياض كـ”شريك استراتيجي”، في مفارقة أخلاقية تُجسّد انحدار المنظومة الرسمية إلى أدنى مستويات التناقض.

تواطؤ النجوم والشركات: “المال يُطهّر”

في تقرير حديث لموقع Awful Announcing، حذّر محللون رياضيون من أن “السعودية نجحت في تحويل الفعاليات الرياضية والثقافية إلى غطاء سياسي لتبييض الانتهاكات الحقوقية”.

الأمر لم يقتصر على الكوميديين؛ أكثر من 100 لاعبة كرة قدم دولية وقّعن رسالة مفتوحة تطالب FIFA بإنهاء عقد الرعاية مع شركة أرامكو السعودية، معتبرات أن “القبول بتمويل أرامكو هو مشاركة في تلميع نظام يقمع النساء ويعدم المعارضين”.

وفي المقابل، رفضت منظمة هيومن رايتس ووتش تبرعات بعض الفنانين الذين شاركوا في مهرجان الرياض بعد انتقاداتهم، معتبرة أن “تبرع المال لا يمحو المشاركة في تبييض القمع”.

بيرس مورغان نموذجًا.. وترك الباب مفتوحًا

عودة بيرس مورغان إلى المشهد السعودي ليست مجرد “دعوة إعلامية”، بل جزء من استراتيجية ناعمة لتدجين الخطاب الغربي.

النظام يمنح النجوم الأجانب امتيازات مالية ضخمة مقابل الصمت — أو التصوير على المسرح.

فكل مقابلة مع تركي آل الشيخ، وكل ظهور في مهرجان جوي، وكل تصريح عن “الانفتاح الجديد”، يُستخدم لاحقًا لتغذية آلة الدعاية التي تبرر القمع في الداخل.

فيما يُنفق النظام مليارات الدولارات على الترفيه والرياضة والكوميديا، يعيش آلاف السعوديين والمقيمين خلف القضبان بسبب تغريدة أو رأي.

في حين يُسمح لكوميديين أجانب بالسخرية من التقاليد والدين، يُعدم شباب سعوديون بتهم “الفتنة” و“الإساءة للنظام”.

وحين يصف بيرس مورغان ابن سلمان اليوم بأنه “رجل المستقبل”، يتذكر العالم أن هذا المستقبل مبني على دماء الماضي والحاضر.

الضحك كأداة للقمع

الترفيه في السعودية لم يعد ترفًا ولا صناعة، بل سياسة.

من الكوميديا إلى الرياضة إلى المال، تتحول كل منصة إلى وسيلة لإعادة تدوير صورة الحاكم وتطبيع القمع داخل إطار من الأضواء والموسيقى.

تضحك الرياض اليوم، لكنها تضحك فوق صمت المعتقلين، وتحت أضواءٍ تُضاء بمالٍ لم يُستثمر في حرية شعبها، بل في شراء تصفيق الغرب.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية