من مدينة المستقبل إلى ملاعب معلّقة: كيف انكشفت حدود الطموح السعودي تحت ضغط الواقع

من مدينة المستقبل إلى ملاعب معلّقة: كيف انكشفت حدود الطموح السعودي تحت ضغط الواقع

لم تعد التراجعات المتلاحقة في مشاريع السعودية العملاقة مجرد «إعادة تقييم تقنية» كما تحاول البيانات الرسمية تصويرها، بل تحوّلت إلى مسار واضح يعكس أزمة أعمق في نموذج التخطيط نفسه. فمشروع نيوم، الذي قُدِّم بوصفه أعظم قفزة حضرية في القرن الحادي والعشرين، بات اليوم عنوانًا للتقليص والتأجيل، بينما امتدت المراجعات إلى مشاريع العاصمة، وإلى ملاعب كأس العالم 2034 التي يُفترض أن تكون تتويجًا دوليًا لرؤية ولي العهد. وكما لاحظت ذا أوبزرفر,، فإن صعوبات نيوم قد لا تُحدث ضجيجًا داخليًا في دولة تُحكم قبضتها على المعارضة، لكنها ستتحول إلى أزمة مختلفة تمامًا إذا تعثّر مشروع كأس العالم، حيث ستكون الأنظار كلّها موجّهة إلى شخص واحد.

عودة قسرية إلى الواقعية: مراجعات تمتد من نيوم إلى قلب الرياض

بحسب بلومبيرغ دخلت الأجندة الاقتصادية السعودية منذ أواخر 2023 مرحلة تسارع في إعادة التقييم، مدفوعة بثلاثة عوامل ضاغطة: انخفاض أسعار النفط عن مستويات التوازن، تشديد شروط الإقراض عالميًا، وتباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. هذه العوامل لم تُنتج مراجعة واحدة، بل سلسلة قرارات متتابعة كشفت هشاشة الافتراضات التي قامت عليها «رؤية 2030».

حصيلة هذه المراجعات خلال أسابيع قليلة كانت ثقيلة: تأجيل الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 في تروجينا، إعادة النظر جذريًا في «ذا لاين» ونيوم، ثم تعليق «المكعّب» في قلب الرياض. اللافت هنا ليس عدد المشاريع التي طالتها المراجعة، بل نوعيتها: كلها مشاريع رمزية، صُمّمت لتكون واجهة التحول السعودي، لا مجرد استثمارات عادية. عندما تبدأ الدولة بتقليص رموزها، فهذا اعتراف ضمني بأن الطموح سبق القدرة.

ملاعب كأس العالم: الرهان الأخطر تحت المجهر

إذا كان تقليص نيوم يُسوَّق داخليًا على أنه «مرونة»، فإن تعثّر ملاعب كأس العالم 2034 يضع السعودية أمام اختبار مختلف تمامًا. فبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها بلومبيرغ، تُراجع الخطط في المربّع الجديد مع احتمال إلغاء ملعب كان مخصصًا للمونديال، بعدما طلب صندوق الاستثمارات العامة مقترحات «واقعية» لما يمكن إنجازه خلال سنوات قليلة. كلمة «واقعية» هنا ليست تفصيلًا لغويًا، بل اعترافًا بأن الوعود السابقة لم تكن كذلك.

الأمر لا يتوقف عند المربّع الجديد. ملعب «ذا لاين» الموعود على ارتفاع يتجاوز 350 مترًا بات مشروعًا معلّقًا، مع ترجيحات قوية بألا يُبنى أصلًا ضمن النسخة الجديدة الأصغر حجمًا. وفي ساحل القدية قرب جدة، حيث كان من المخطط إنشاء ملعب آخر، تجري مراجعات قد تنتهي بإلغاء المشروع بالكامل. هذا يعني أن السعودية، التي فازت باستضافة كأس العالم دون منافسة، تواجه الآن تحديًا في تنفيذ البنية التحتية التي على أساسها مُنحت الاستضافة.

وهنا يبرز تحذير ذا أوبزرفر بوضوح: فشل نيوم يمكن احتواؤه دعائيًا، لكن الفشل في كأس العالم سيكون عالميًا ومباشرًا، ويصعب التلاعب بسرديته. المونديال ليس مشروعًا داخليًا يمكن تأجيله بصمت، بل حدث يخضع لرقابة دولية وإعلامية لا ترحم.

نيوم: من ناطحة بطول 100 ميل إلى مخرج طارئ

وصف موقع فيوتشرزم  مشروع نيوم، وبالأخص المدينة الخطية التي تمتد لنحو 100 ميل، بأنه «فشل ذريع» لم يُفاجئ أحدًا. فالمشروع الذي قُدِّرت كلفته بنحو 1.5 تريليون دولار تحوّل، بعد سنوات من الإنفاق، إلى عبء مالي تبحث الحكومة عن مخرج منه. المقترح الجديد بتحويل نيوم إلى مجمّع لمراكز البيانات يعكس حالة يأس أكثر مما يعكس رؤية: محاولة اللحاق بسباق الذكاء الاصطناعي كحل إنقاذي، لا كخيار استراتيجي مدروس منذ البداية.

الخطاب الرسمي يصف هذا التحول بـ«المرونة»، لكن المرونة الحقيقية تكون في التخطيط المسبق، لا في تغيير الوجهة بعد حفر الأساسات. ما جرى في نيوم يكشف خللًا بنيويًا: إطلاق مشروع خيالي قبل اختبار قابليته الاقتصادية، ثم البحث عن وظيفة بديلة له عندما تنفد السيولة.

التناقض الصارخ: قصور خاصة مقابل حفر عامة

وسط هذا المشهد، يبرز تناقض فاضح أشار إليه تقرير فاست كومباني بينما تعثّرت مشاريع البنية التحتية العامة، تاركةً «حفرًا عملاقة في العراء»، كشفت صور الأقمار الصناعية عن تحويل موارد البناء بنجاح إلى قصر ملكي ضخم يضم 16 مبنى وملعب غولف خاص على ساحل البحر الأحمر. هذه المفارقة لا تتعلق بذوق معماري، بل بأولويات سياسية واقتصادية: ما يُنجَز بسرعة هو ما يخدم السلطة مباشرة، أما ما يُسوَّق بوصفه «للمستقبل» فيبقى معلّقًا عند أول اختبار مالي.

هذا التناقض يقوّض الخطاب الذي حاول ربط التضحيات المالية للمجتمع بمشاريع «تعود بالنفع على الجميع». فعندما يرى المواطن أن المشاريع العامة تُقلّص، بينما تُستكمل المشاريع الخاصة للنخبة، تتآكل الثقة وتتحول الرؤية من وعد جماعي إلى أداة تبرير للإنفاق الانتقائي.

اختبار المونديال وما بعده

ما يجري اليوم ليس مجرد سلسلة تأجيلات، بل لحظة مفصلية تكشف حدود النموذج السعودي القائم على الطموح غير المحدود. التراجعات من نيوم إلى «المكعّب» ثم إلى ملاعب كأس العالم ترسم مسارًا واحدًا: واقع مالي يفرض نفسه، مهما حاولت الدعاية مقاومته. الفرق أن بعض المشاريع يمكن تقليصها دون تكلفة سياسية فورية، بينما المونديال لا يمنح هذا الهامش.

إذا فشلت السعودية في تقديم نسخة قابلة للتنفيذ من وعود كأس العالم 2034، فإن «رؤية 2030» ستواجه أخطر اختبار لها أمام جمهور عالمي لا يمكن إسكاتُه ولا ضبطُه. عندها، لن يكون السؤال عن مشروع واحد أو مدينة مستقبلية، بل عن جدوى نموذج كامل بُني على فكرة أن الإرادة السياسية والمال قادران على كسر قوانين الاقتصاد والواقع. والوقائع حتى الآن تقول شيئًا واحدًا: الواقع، في النهاية، ينتصر.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية