بعد أكثر من عقد على بدء التدخل السعودي في اليمن، تدخل المواجهة في سبتمبر 2026 مرحلة تكشف مفارقة استراتيجية يصعب تجاهلها. المملكة التي أنفقت لعقود مبالغ هائلة على التسليح الأمريكي، وقادت منذ 2015 حربًا هدفها المعلن منع الحوثيين من التحول إلى تهديد دائم على حدودها، أصبحت الآن، بحسب مسؤولين تحدثوا إلى أسوشيتد برس، تطلب دعمًا للدفاع الجوي من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر مع تعرض مخزون الصواريخ الاعتراضية للضغط. وفي الوقت نفسه ترفض واشنطن الانخراط العسكري المباشر في الحرب، مكتفية بالدعم الاستخباراتي، بينما تحافظ على تفاهم سابق مع الحوثيين يحمي المصالح والملاحة الأمريكية من هجماتهم. ليست المشكلة أن طلب المساعدة من الحلفاء يمثل في ذاته فشلًا؛ التحالفات العسكرية قائمة أصلًا على تقاسم الأعباء، كما أن الولايات المتحدة نفسها تعاني ضغطًا على بعض مخزونات الذخائر بعد أشهر من الحرب مع إيران. المشكلة أكثر عمقًا: بعد أحد عشر عامًا من الحرب والشراء العسكري وبناء التحالفات، تجد الرياض نفسها أمام الخصم نفسه، لكنها هذه المرة تبحث عمّن يساعدها على توفير المظلة التي تمنع صواريخه ومسيّراته من الوصول إليها.
السعودية اشترت أحد أغلى الجيوش في المنطقة لكن حرب الاستنزاف لا تسأل عن سعر الطائرة
تكشف أزمة الصواريخ الاعتراضية واحدة من أهم نقاط الضعف في الحروب الحديثة. يمكن للسعودية امتلاك مقاتلات متطورة وأنظمة دفاع جوي باهظة، لكن الحوثيين لا يحتاجون إلى امتلاك قوة جوية مماثلة حتى يخلقوا مشكلة استراتيجية. المعادلة غير متكافئة أصلًا. يستطيع الخصم إطلاق مسيّرات وصواريخ بصورة متكررة، بينما تضطر الدولة المدافعة إلى إبقاء الرادارات والمنظومات والقواعد في حالة استعداد، واستهلاك ذخائر اعتراضية محدودة لحماية مدن ومنشآت نفطية ومطارات ومساحات جغرافية شاسعة. ولهذا فإن نجاح الدفاع الجوي في إسقاط معظم التهديدات لا يعني أن المشكلة انتهت. فكل اعتراض يستهلك مخزونًا. وكل موجة جديدة تحتاج إلى اعتراضات أخرى. والآن تقول أسوشيتد برس إن الرياض توجهت إلى فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر طلبًا لدعم دفاعي، بينما لم تكن أي من هذه الدول قد التزمت، وفق تقرير الوكالة، بنشر الدعم المطلوب وقت نشره. وهنا يظهر السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على استراتيجية الدفاع السعودية: ماذا اشترت عشرات السنوات من الاعتماد على المنظومة العسكرية الأمريكية إذا كانت المملكة عند لحظة الاستنزاف الإقليمي تحتاج إلى البحث سريعًا عن طبقات حماية إضافية من أربع دول أخرى؟ هذا لا يعني أن الصفقات السابقة عديمة القيمة؛ من دون تلك المنظومات ربما كانت الأضرار أكبر بكثير. لكنها تكشف الفارق بين شراء السلاح وبناء الاستقلال الدفاعي.
الأكثر حساسية بالنسبة للرياض ليس نقص الذخيرة وحده. إنه الموقف الأمريكي. محمد بن سلمان طلب من الرئيس دونالد ترامب مساعدة عسكرية مباشرة ضد الحوثيين، وفق مصادر تحدثت إلى رويترز، لكن الرد الأمريكي كان عدم التدخل المباشر في الوقت الحالي، مع الاستعداد للمساعدة استخباراتيًا. هذا التفصيل يختصر حدود التحالف السعودي الأمريكي بطريقة ربما تكون أهم من عشرات البيانات الدبلوماسية. واشنطن مستعدة لمساعدة الرياض. لكنها ليست مستعدة بالضرورة لخوض حرب الرياض. والسبب ليس عاطفيًا. الولايات المتحدة تقاتل إيران بالفعل، ومخزوناتها العسكرية تتعرض للضغط، والدخول مجددًا في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين قد يحتاج إلى سفن وطائرات واستخبارات وصواريخ اعتراضية إضافية. والحوثيون أنفسهم تعلموا كيف يفصلون بين خصومهم. التفاهم الأمريكي-الحوثي الذي أوقف الضربات المتبادلة في 2025 أصبح أصلًا سياسيًا لا تريد واشنطن التضحية به بسهولة. والتقارير الحالية تشير إلى أن الحوثيين يريدون إبقاء الصراع مع السعودية منفصلًا عن ذلك التفاهم. وهنا تظهر المفارقة: الحليف الأمريكي يريد حماية مصالحه من الحوثيين من دون أن يتحول تلقائيًا إلى طرف في كل مواجهة حوثية-سعودية.
حين يستطيع الحوثي تحييد أمريكا تصبح فاتورة المواجهة سعودية أكثر
هذه ربما أخطر دلالة في المشهد الجديد. إذا استطاعت جماعة مسلحة أن تقنع واشنطن بأن السفن والمصالح الأمريكية لن تكون مستهدفة مقابل بقاء الولايات المتحدة خارج الحرب السعودية-الحوثية، فإنها تكون قد استخدمت الدبلوماسية لتحقيق ما لا تستطيع الصواريخ وحدها تحقيقه: تفكيك جبهة خصومها بحسب مصالح كل طرف. لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت حليفًا للحوثيين. ولا أن واشنطن تخلت كليًا عن الرياض؛ فهي ما زالت تقدم دعمًا استخباراتيًا، وتملك مصالح أمنية ضخمة مع السعودية. لكن التحالف لا يعني شيكًا عسكريًا مفتوحًا. والفرق مهم. لأن الاستراتيجية السعودية قامت لعقود على افتراض أن شراء السلاح الأمريكي وبناء الشراكة الأمنية مع واشنطن يوفران في النهاية شبكة أمان استراتيجية. سبتمبر 2026 يقدم اختبارًا لهذا الافتراض. عندما أصبحت أمريكا نفسها بحاجة إلى المحافظة على ذخائرها وتجنب جبهة إضافية، أصبح على السعودية البحث عن فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر. وهكذا تتحول المسألة من شراء منظومة دفاعية إلى البحث عن من يملك صواريخ كافية ليشاركك استنزافها.
من حرب هجومية في 2015 إلى البحث عن درع في 2026. هنا تقع المفارقة الأكثر قسوة بالنسبة لإرث محمد بن سلمان. في 2015 دخلت السعودية اليمن من موقع المبادرة. كانت طائرات التحالف هي التي تعبر الحدود إلى اليمن، وكان الهدف إعادة الحكومة المعترف بها دوليًا وإضعاف الحوثيين ومنع ترسخ قوة مرتبطة بإيران على الحدود الجنوبية للمملكة. بعد أحد عشر عامًا انقلبت طبيعة السؤال. الرياض تبحث عن تعزيز دفاعاتها. الحوثيون يطلقون الصواريخ والمسيّرات باتجاه المملكة. والجماعة حققت مكاسب على ساحل البحر الأحمر، بينما أصبحت منطقة باب المندب أكثر حساسية للسعودية بسبب اضطراب طريق هرمز. هذه ليست هزيمة عسكرية سعودية بالمعنى البسيط؛ ميزان القوة التقليدي ما زال يميل بشدة إلى المملكة. لكنها مشكلة استراتيجية أعمق: الحرب لا تُقاس بمن يملك الطائرة الأغلى، بل بما إذا كانت أهدافها السياسية والأمنية قد تحققت. وإذا كان الهدف الأساسي منع الحوثيين من تشكيل تهديد دائم للسعودية، فإن الوضع الحالي يجعل من الصعب الادعاء بأن هذا الهدف تحقق.
الفاتورة الجديدة تصل في أسوأ توقيت ممكن لرؤية 2030
الحرب السابقة جاءت في زمن مختلف ماليًا. أما الحرب الحالية فتعود بينما الحكومة السعودية تحاول خفض العجز، والدين يتجه إلى الارتفاع، وصندوق الاستثمارات يعيد معايرة مشاريع رؤية 2030، ويبحث عن رأس مال خارجي ويشدد شروط التمويل على شركاته. وفي الوقت نفسه أصبحت حماية المملكة أكثر تكلفة. الصاروخ الاعتراضي ليس أصلًا يولد إيرادًا. لا يبني مصنعًا. لا يطور جامعة. ولا يعيد رأس المال إلى صندوق الاستثمارات. لكنه يصبح إنفاقًا لا يمكن تجنبه عندما يقترب صاروخ أو مسيّرة من مدينة أو منشأة نفطية. وهذه هي أقسى أنواع النفقات على أي مشروع اقتصادي ضخم: الإنفاق الذي لا تستطيع الدولة تأجيله. يمكن تأجيل مرحلة من نيوم. يمكن إعادة تصميم مشروع عقاري. يمكن خفض ميزانية بطولة رياضية. لكن لا تستطيع الحكومة أن تقول للدفاع الجوي: انتظر حتى تتحسن الميزانية. وبذلك يعود اليمن ليزاحم رؤية 2030 على المال والانتباه والقدرة السياسية. والفاتورة الأكبر لا تزال يمنية. وسط الحسابات السعودية والأمريكية لا ينبغي أن يختفي الطرف الذي دفع الثمن الأكبر: اليمن. أسوشيتد برس أفادت بأن القتال الحالي أدى إلى نزوح أكثر من 125 ألف يمني، بينهم أكثر من 57 ألف طفل، وسط مخاطر متزايدة من سوء التغذية والأمراض وضعف الوصول إلى المساعدات. وهذا يعيد المأساة إلى النقطة نفسها. الحوثيون يحققون مكاسب عسكرية. السعودية تقصف. القوات اليمنية تقاتل. القوى الإقليمية تفاوض. والمدني اليمني يهرب مرة أخرى. بعد أكثر من عقد من الحرب، يصعب اعتبار هذه النتيجة انتصارًا لأي مشروع سياسي يزعم أنه يريد يمنًا مستقرًا.
المشكلة ليست أن السعودية تحتاج إلى حلفائها بل أنها تحتاج إليهم لمواجهة المشكلة التي دخلت الحرب قبل 11 عامًا لحلها
طلب المساعدة العسكرية ليس عيبًا في ذاته. فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة نفسها تعتمد على تحالفات عسكرية. لكن السياق هو الذي يحول الخبر إلى كشف حساب. السعودية لم تستيقظ فجأة عام 2026 لتكتشف الحوثيين. إنها تحاربهم منذ 2015. أنفقت على جيشها. اشترت الطائرات. اشترت الدفاعات. نفذت الغارات. دعمت القوات اليمنية. وحاولت التفاوض. ثم حاولت الخروج من الحرب. والآن تعود إلى مرحلة تطلب فيها من عدة دول المساعدة في حماية سمائها من الجماعة نفسها. وفي اللحظة ذاتها، تكتشف أن الولايات المتحدة — الحليف الذي قامت عليه أجزاء واسعة من المنظومة الأمنية السعودية — لديها حساباتها ومخزوناتها وحروبها، وأن حماية السعودية ليست بالضرورة مساوية في واشنطن لخوض حرب جديدة من أجل السعودية. هذه هي المشكلة التي ينبغي أن تُقرأ باعتبارها جزءًا من إرث حرب محمد بن سلمان، لا مجرد أزمة ذخائر عابرة. الدولة التي تريد استقلالًا استراتيجيًا لا يكفيها أن تمتلك مليارات الدولارات لشراء السلاح؛ تحتاج إلى صناعة دفاعية ومخزونات وخطط وتحالفات تستطيع العمل عندما يكون المورد الرئيسي مشغولًا بحربه الخاصة. وربما يكون المشهد الحالي أكثر اختصارًا لحصيلة أحد عشر عامًا من أي رقم يمكن وضعه في جدول: في 2015 كانت السعودية تجمع تحالفًا لدخول اليمن وإنهاء التهديد الحوثي. وفي 2026 أصبحت تجمع الحلفاء مرة أخرى — لكن هذه المرة ليس لدخول اليمن، بل للمساعدة في منع صواريخ اليمن من دخول السعودية. وبين المشهدين تقع مليارات الدولارات، وآلاف الضحايا، وسنوات من الحرب، ويمن أكثر إنهاكًا، وحوثيون لم يختفوا، ومملكة اكتشفت في اللحظة الأصعب أن امتلاك واحد من أغلى ترسانات المنطقة لا يعني بالضرورة امتلاك مخزون غير محدود، وأن التحالف مع القوة الأعظم لا يعني أن هذه القوة ستخوض كل حرب تريد الرياض خوضها. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: من سيرسل للسعودية بطاريات دفاع جوي إضافية؟ بل كيف انتهت حرب بدأت لمنع الحوثيين من تهديد المملكة إلى لحظة تبحث فيها المملكة عمّن يساعدها على حماية سمائها منهم، بينما تفاوضهم واشنطن على حماية مصالحها هي وتترك الرياض تواجه فاتورة الحرب التي لم تُغلق منذ 2015؟






