من ممولٍ يوزّع المليارات إلى باحث عن ممولين في وول ستريت.. صندوق الاستثمارات يكتشف متأخرًا أن «الرؤية» لا تعيش بالشيك المفتوح

من ممولٍ يوزّع المليارات إلى باحث عن ممولين في وول ستريت.. صندوق الاستثمارات يكتشف متأخرًا أن «الرؤية» لا تعيش بالشيك المفتوح

بعد نحو عقد من تقديم صندوق الاستثمارات العامة باعتباره المحرك المالي الذي سيعيد تشكيل الاقتصاد السعودي، بدأت اللغة القادمة من الصندوق تتغير بصورة لافتة. الكلمات التي تصدرت المرحلة الأولى كانت: التوسع، النمو، المشاريع العملاقة، بناء القطاعات الجديدة وتسريع التحول. أما اليوم فتظهر مفردات مختلفة: الانضباط المالي، تعظيم عوائد المحفظة، تدوير رأس المال، جذب الشركاء والبحث عن التمويل الخارجي.

وبحسب المعلومات التي أوردتها سيمافور، يأخذ الصندوق الآن عرضه الاستثماري إلى وول ستريت، مقدمًا نفسه وعددًا من أهم شركاته ومشاريعه أمام مؤسسات مالية عالمية كبرى، من بينها Apollo وBlackstone وBrookfield وCarlyle وKKR وStonepeak، إضافة إلى بنك التصدير والاستيراد الأمريكي.

وتتولى لازارد ترتيب الاجتماعات، ليس لجمع المال لمشروع واحد، وإنما تمهيدًا لخيارات مستقبلية من الديون أو الاستثمار في الأسهم.

التحول في حد ذاته ليس دليلًا على انهيار الصندوق، بل يمكن أن يكون خطوة ضرورية نحو نموذج أكثر استدامة. لكن المشكلة تكمن في توقيته: بعد سنوات من ضخ عشرات المليارات في مشروعات لم تحقق بعد التدفقات التي تسمح لها بتمويل نفسها، أصبح الصندوق يريد من المستثمر العالمي أن يشارك في الفاتورة.

والسؤال هو: هل ستشتري وول ستريت قصة رؤية 2030 بالسعر الذي تريد الرياض بيعها به؟

 عندما يذهب صاحب التريليونات بحثًا عن رأس المال.. المشكلة ليست حجم الأصول بل السيولة

يمتلك صندوق الاستثمارات محفظة هائلة، ولذلك قد يبدو غريبًا وصفه بأنه يواجه ضغوط سيولة.

لكن الأصول ليست نقدًا.

امتلاك شركة أو أرض أو حصة في مشروع بمليارات الدولارات لا يعني وجود المبلغ نفسه في الحساب المصرفي جاهزًا لتمويل مشروع آخر غدًا.

وهذه هي المعضلة التي أصبحت أكثر وضوحًا.

الصندوق بنى خلال السنوات الماضية عشرات الشركات، ودخل قطاعات جديدة، ومول مشاريع عقارية وسياحية ورياضية وتقنية وصناعية ضخمة. كثير من هذه الاستثمارات يحتاج إلى سنوات قبل الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها إعادة الأموال إلى المساهم.

لكن المشروع التالي لا ينتظر.

وهكذا تصبح المشكلة ليست أن الصندوق «فقير»، وإنما أن محفظته تستهلك رأس المال بسرعة أكبر من قدرة عدد من أصولها على إعادة إنتاجه نقدًا.

ولهذا تبدو جولة وول ستريت منطقية: إذا لم يعد التمويل الحكومي المباشر هو الخيار المفضل لكل توسع، فيجب إدخال أموال الآخرين.

لكن أموال الآخرين تختلف جذريًا عن أموال المساهم الحكومي.

المستثمر الخارجي لا يشتري الطموح الوطني.

إنه يشتري العائد.

 هيومين والبحر الأحمر ومدينة الملك عبدالله المالية أمام امتحان أصعب من العروض الترويجية

وضع شركات ومشروعات مثل هيومين والبحر الأحمر ومنطقة الملك عبدالله المالية أمام مؤسسات الاستثمار العالمية يحمل أهمية كبيرة.

لأن هذه المرة لن يكون السؤال: ما أهمية المشروع لرؤية 2030؟

سيكون:

كم سيدفع؟

ومتى؟

وبأي مخاطرة؟

وما استراتيجية الخروج؟

Blackstone أو KKR أو Brookfield لا تحصل على نقاط سياسية إذا ساهمت في تحقيق رؤية 2030. لديها مستثمرون يريدون عوائد.

وهذا يعني أن كل افتراض سيخضع للتدقيق.

إذا كان المشروع العقاري يستحق تقييمًا معينًا، فليثبت ذلك بالإشغال والإيرادات والتدفقات النقدية.

إذا كانت شركة الذكاء الاصطناعي تستحق مليارات، فليظهر نموذجها التجاري والعملاء وقدرتها على تحقيق عائد على البنية التحتية المكلفة.

وإذا كان المنتجع السياحي استثمارًا عالميًا، فليثبت قدرته على تحقيق إشغال وهوامش وعائد مناسب لرأس المال.

وهنا تبدأ مرحلة ربما تكون أصعب بكثير من تأسيس الشركات نفسها:

مرحلة اكتشاف السعر الحقيقي الذي يضعه السوق لأصول الرؤية عندما لا يكون صندوق الاستثمارات هو المشتري والممول في الوقت نفسه.

 32.6 مليار دولار استثمارًا أجنبيًا.. والطريق إلى 100 مليار ما زال طويلًا

الفجوة في الاستثمار الأجنبي المباشر تجعل جولة وول ستريت أكثر دلالة.

إذا بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 32.6 مليار دولار في العام الماضي، بينما تستهدف المملكة الوصول إلى 100 مليار دولار سنويًا بحلول 2030، فإن الفجوة ليست هامشية.

السعودية تحتاج إلى أكثر من ثلاثة أضعاف المستوى المذكور تقريبًا للوصول إلى الهدف.

وهنا يظهر أحد أكبر تحديات رؤية 2030.

من السهل استخدام المال الحكومي لبدء مشروع.

لكن جذب المستثمر الأجنبي ليتحمل المخاطرة معك اختبار مختلف.

رأس المال الدولي يقارن الرياض بدبي وسنغافورة ونيويورك والهند وأوروبا وعشرات الأسواق الأخرى.

ولا يسأل: هل المشروع مذهل؟

بل:

هل العائد المعدل بالمخاطر أفضل مما يمكنني الحصول عليه في مكان آخر؟

ولهذا فإن الوصول إلى 100 مليار دولار لن يتحقق بالمؤتمرات والإعلانات وحدها. يجب أن يرى المستثمر فرصًا يستطيع الدخول إليها والخروج منها، وقواعد مستقرة، وتقييمات مقنعة، وسيولة سوقية، وعائدًا يستحق المخاطر.

 LIV ونيوم.. المليارات السابقة أصبحت سببًا لصرامة الريال التالي

التحول نحو «الانضباط المالي» يصبح أكثر مفهومًا عند النظر إلى بعض الرهانات الكبرى.

في LIV Golf تجاوز التمويل السعودي خمسة مليارات دولار، ثم وصل المشروع إلى أزمة حادة مع توقف الدعم المفتوح ومحاولات إعادة الهيكلة.

وفي نيوم، تشير الأرقام المتداولة إلى ضخ عشرات المليارات، بينما جرى تقليص وإعادة جدولة أجزاء من الطموح الأصلي.

ليس صحيحًا وصف كل الأموال المنفقة على هذه المشاريع بأنها خسائر نهائية؛ فنيوم مثلًا تضم أصولًا وبنية تحتية ومشروعات قائمة، وبالتالي لا يمكن مساواة الإنفاق كله بخسارة محاسبية.

لكن السؤال المشروع هو:

كم من رأس المال الذي خرج من الصندوق عاد إليه حتى الآن كعائد نقدي؟

هنا يكمن جوهر المشكلة.

يمكن لصندوق ضخم تحمل استثمار طويل الأجل.

لكن عندما يكون لديه عدد كبير من الاستثمارات طويلة الأجل في الوقت نفسه، تبدأ هذه المشاريع في التنافس على السيولة.

وعندها يصبح «الانضباط المالي» أقل شبهًا بشعار إداري جديد وأكثر شبهًا بضرورة.

 وول ستريت قد تمول الرؤية.. لكنها ستفرض عليها شيئًا لم يفرضه الشيك الحكومي: السعر

قد تكون جولة الصندوق الأمريكية واحدة من أفضل الخطوات التي اتخذها في المرحلة الجديدة.

ليس فقط لأنها قد توفر رأس المال، وإنما لأنها تفرض اختبار السوق.

إذا دخل مستثمر عالمي في مشروع بأمواله، فهذا يمنح تقييم المشروع مصداقية أكبر.

وإذا رفض، أو طلب ضمانات مرتفعة، أو عائدًا أكبر، أو تقييمًا أقل، فهذه أيضًا معلومة مهمة.

المشكلة ستبدأ إذا أرادت الرياض رأس المال الخاص دون قبول شروط رأس المال الخاص.

فالمستثمر لن يدفع بالضرورة القيمة التي سجلها الصندوق لأصل في دفاتره.

وقد يطلب خصمًا.

والدائن قد يطلب ضمانات.

وصندوق البنية التحتية قد يريد تدفقات نقدية مؤكدة.

والمستثمر في الأسهم قد يريد نفوذًا في الحوكمة.

بمعنى آخر، عندما تستبدل جزءًا من الشيك الحكومي بأموال وول ستريت، فأنت لا تحصل على المال فقط.

تحصل معه على المحاسبة.

 الاختبار الجديد ليس كم يستطيع الصندوق أن ينفق.. بل كم يستطيع إقناع الآخرين بأن يستثمروا معه

التحول نحو الانضباط المالي ليس فضيحة.

بل ربما كان يجب أن يكون جوهر استراتيجية الصندوق منذ البداية.

المشكلة أن هذه اللغة أصبحت أكثر حضورًا بعد ضخ مبالغ هائلة، وبعد ظهور تجاوزات وتأخيرات وإعادة تحجيم في بعض المشاريع، وفي وقت أصبحت فيه السيولة أكثر قيمة والحكومة نفسها تزيد اعتمادها على التمويل.

المرحلة الأولى من رؤية 2030 أثبتت أن السعودية تستطيع الإنفاق بحجم استثنائي.

أما المرحلة الثانية فعليها إثبات شيء أصعب:

أن ما بُني بهذا الإنفاق يستحق أن يضع المستثمر المستقل أمواله فيه.

وهنا لن تكفي قوة الدولة.

ولن يكفي اسم محمد بن سلمان.

ولن تكفي عبارة «مشروع تابع لصندوق الاستثمارات».

على هيومين أن تبيع نموذج أعمال.

وعلى البحر الأحمر أن يبيع عائدًا.

وعلى الأصول العقارية أن تبيع تدفقات نقدية.

وعلى الصندوق نفسه أن يثبت أن محفظته ليست مجموعة مشاريع تستطيع الحياة فقط طالما بقي هو الممول الأخير.

وإذا نجحت جولة وول ستريت وجذبت مليارات بشروط جيدة، فسيكون ذلك دليلًا مهمًا على نضج بعض أصول الرؤية.

أما إذا اكتشف الصندوق أن المستثمرين يريدون خصومات كبيرة أو ضمانات أو عوائد مرتفعة كي يدخلوا، فستكون الرسالة أكثر قسوة:

القيمة التي تستطيع الحكومة أن تضعها على مشروعها ليست بالضرورة القيمة التي يقبل السوق أن يدفعها.

لقد أمضى صندوق الاستثمارات عقدًا وهو يسأل العالم:

«هل رأيتم كم نستطيع أن ننفق؟»

أما الآن، وبعد أن أصبحت كلمات مثل العائد والانضباط والسيولة في مقدمة الخطاب، فإن وول ستريت ستطرح عليه السؤال المعاكس:

«رأينا كم أنفقتم.. الآن أرونا ماذا صنعت كل هذه المليارات، وكم ستدفع لنا كي نغامر بالمليار التالي معكم؟»

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية